وانصرف أبو سفيان من الشّام يريد الإصلاح حتى دخل المدينة على فاطمة بنت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وطلب منها الإجارة فلم تفعل، وطلب من الحسن والحسين فلم يفعلا، ثمّ خرج إلى أبي بكر فردّه، وإلى عمر فردّه وقال: والله لنضربنّ إستك يا أبا سفيان، فقال: ما أسفهك يا ابن الخطّاب، ثمّ خرج إلى عليّ رضي الله عنه وطلب منه الإجارة، فقال عليّ: يا أبا سفيان أتظنّ برسول الله أنّه يردّ أمرك اخرج إلى النّاس واضرب إحدى يديك على الأخرى وقل: أجرت بين النّاس، فقال أبو سفيان: أهو كما تقول؟ قال عليّ: سترى ما يكون، فخرج أبو سفيان فضرب إحدى يديه على الأخرى وقال: أجرت بين النّاس، ورجع إلى مكّة وقال: أجرت بين النّاس، قالوا: كيف؟ فأخبرهم بالقصّة، قالوا: لم تفعل شيئا وإنّما استهزأ بك عليّ.
ثمّ سار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في جيوشه إلى مكّة، ولم يلق أحدا مقبلا ولا مدبرا إلاّ حبسه لئلاّ يخبر أهل مكّة بمسيره إليهم، فخرج أبو سفيان متحسّسا أخبارهم فلقيه العبّاس في جوف اللّيل وأجاره وأردفه خلفه على بغلة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى أدخله عليه صلّى الله عليه وسلّم، وأحسّ به عمر فسابقه إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فسبقه وحال بينه وبين أبي سفيان، ثمّ ردّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى مكّة، فلمّا
كان ببعض الطّريق أمر عبّاسا ليتبعه فيحبسه على الطّريق ليمرّ به كتائب العسكر، فلمّا لحقه العبّاس خافه أبو سفيان على نفسه وقال: أغدرا يا بني هاشم، قال: كلاّ ولكن أبصر كتائبنا، وكان كلّما مرّ عليه كتيبة قال: أفي هؤلاء محمّد؟ وكان عبّاس يقول: لا هؤلاء بنو فلان وهؤلاء بنو فلان حتى مرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كالبدر المنير تحت المغفر في ثلاثة آلاف فارس من الأنصار متكفرين بالسّلاح. وأسلم أبو سفيان، فقال عبّاس: يا رسول الله إنّ أبا سفيان رجل يحبّ الصيّت فاجعل له شيئا يفتخر به، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
وانصرف أبو سفيان إلى مكّة ونادى: من دخل داري فهو آمن، فقامت إليه امرأته هند وأخذت بسباله وقالت: اقتلوا هذا الخبيث، فضربوه ضربا شديدا.