المسألة الأولى:
في لفظ"الغدو"قولان:
القول الأول: أنه مصدر يقال غدوت أغدو غدواً غدوا ، ومنه قوله تعالى: {غُدُوُّهَا شَهْرٌ} [سبأ: 12] أي غدوها للسير ، ثم سمى وقت الغدو غدواً ، كما يقال: دنا الصباح أي وقته ، ودنا المساء أي وقته.
القول الثاني: أن يكون الغدو جمع غدوة ، قال الليث: الغدو جمع مثل الغدوات وواحد الغدوات غدوة ، وأما {الآصال} فقال الفراء: واحدها أصل وواحد الأصل الأصيل.
قال يقال جئناهم مؤصلين أي عند الآصال ، ويقال الأصيل مأخوذ من الأصل واليوم بليلته ، إنما يبتدأ بالشروع من أول الليل وآخر نهار كل يوم متصل بأول ليل اليوم الثاني ، فسمى آخر النهار أصيلاً ، لكونه ملاصقاً لما هو الأصل لليوم الثاني.
المسألة الثانية:
خص الغدو والآصال بهذا الذكر ، والحكمة فيه أن عند الغدوة انقلب الإنسان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة ، والعالم انقلب من الظلمة التي هي طبيعة عدمية إلى النور الذي هو طبيعة وجودية.
وأما عند الآصال فالأمر بالضد لأن الإنسان ينقلب فيه من الحياة إلى الموت ، والعالم ينقلب فيه من النور الخالص إلى الظلمة الخالصة ، وفي هذين الوقتين يحصل هذان النوعان من التغيير العجيب القوي القاهر ولا يقدر على مثل هذا التغيير إلا الإله الموصوف بالحكمة الباهرة والقدرة الغير المتناهية ، فلهذه الحكمة العجيبة خص الله تعالى هذين الوقتين بالأمر بالذكر.
ومن الناس من قال: ذكر هذين الوقتين والمراد مداومة الذكر والمواظبة عليه بقدر الإمكان.
عن ابن عباس أنه قال في قوله: {الذين يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191] لو حصل لابن آدم حالة رابعة سوى هذه الأحوال لأمر الله بالذكر عندها والمراد منه أنه تعالى أمر بالذكر على الدوام.