ارعوائهم بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه"."
فهذه استعارة تمثيلية شُبِّهت فيها صورة القوم في كفرهم بصورة مَنْ غُلَّ وقُيِّدَ
وسبغ"الغل"جسمه حتى ذقنه فلم يستطع حركة.
ويكون قوله تعالى: (فَهُم مُقْمَحُونَ) . .
ترشيحاً للمجاز والقرينة حالية.
* ثلاث كنايات:
وإن كان الكلام في وصف خاص كالبخل فالكناية أظهر في توجيه العبارة . .
فمثلاً قوله تعالى حكاية عن اليهود دعنهم الله:
(وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) . .
فقولهم: (يَدُ الله مًغلُولة) ، وَقوله في الرد عديهم: (غُلت أيْديِهمْ)
وقوله أيضاً: (بَل يَدَاهُ مَبْسُوطتَان) الأظهر في هذه العبارات أن يَكون
قولهم: (يَدُ الله مَغْلولةٌ) ، وقوله: (غُلتْ أيْديهِمْ) كنايتين عن البخل.
وأن يكون قوله تعالَى: (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطتَانِ) كناية عن الكرم الواسع .
والخلاصة: أن هذه العبارات يجوز اعتبارها مجازاً مركباً أو مفرداً بأن يكون
المجاز فيها استعارة بالكناية فيما يصح فيه ذلك . ويجوز جعلها من باب
الكناية حتى في عبارة اليهود: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) ، ولا يمنع
من إيراد الكناية عليه أنه يجوز فيها حمَل الكلام على المعنى الحقيقي - وهذا
قول فيه خلاف - لأنا نقول: إن الله قد صرَّح في القرآن بأن له يداً في غير هذا الموضع . وعلى ما بين السَّلف والخَلف من خلاف في هذا المجال فإن العبارة محكية عن اليهود وهم لا يراعون مثل ما نراعيه نحن المسلمين من هذه
الاعتبارات الدقيقة في مجال الاعتقاد.
هذا . . وقد بقى توجيه واحد للزمخشري في عبارة الرد التي ذكرها الله رداً
على مقولة اليهود حيث قال: (غُلتْ أيْدِيهِمْ) .