وهذا لا يدل على المسيح بن مريم بوجه من الوجوه، ولكنه يدل على بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - وقيام المهدي لأن الجملة مستأنفة والقاعدة في المستأنفات أن تحمل على ما يناسبها فيكون ما ذكره لوقا ضرباً من التأكيد لكلام أشعياء عليه السلام لا غير.
فعليك أن تتأمل في هذا البرهان فإنه في غاية اللطافة.
وفي متى ثم ضرب لهم مثلاً آخر وقال إن ملكوت الله تماثل حبة خردل أخذها رجل وزرعها في مزرعته وهي أصغر جميع الحبوب، فلما نمت صارت أعظم النباتات وأصبحت شجرة تأتي إليها طيور الجو، وتسكن في أغصانها انتهى.
وسياق هذا المثل أن المسيح كان جالساً على ساحل البحر فاجتمع عنده القوم فأخذ يضرب لهم الأمثال ومن جملتها هذا المثل، وقد أوله النصارى في حق من يكون محباً للمسيح مواظباً على عمل الخير، وهل فيه يا للرجال على هذا المعنى الضعيف دلالة ولا شك أنه من الأمثال التي كان يضربها المسيح عليه السلام في شأن محمد - صلى الله عليه وسلم - .
وتأويل المثل أن الزارع هو الواجب تعالى والمزرعة الدنيا وحبة خردل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي أصغر جميع الحبوب على بادئ الرأي لأن جميع الأمم كانوا يستهزئون بالعرب لكونهم من أهل البادية وعدم رواج العلم في أماكنهم وعدم تنعمهم باللذات الجسمانية، واليهود كانوا يستحقرونهم لكونهم من أولاد هاجر، فقوله:"هي أصغر الحبوب"جملة حالية فلما نمت أي بلغ إلى رشده واستوفى من درجة الرسالة العامة أشُدَّه صارت أعظم النباتات أي صار أشرف الرسل وأكملهم لبقاء ملته إلى قيام القيامة، ولأنه لم يقلد ما قبله من الرسل الرِّسالة العامة اصبحت أي صارت شجرة تأتي إليها طيور الجو جملة حالية وقعت صفة الشجرة والمراد بطيور الجو الأمم الذين لم يقلدوا بغير الناموس وتسكن في أغصانها أي تطمئن تحت أحكام شريعته صلى الله عليه وآله وسلم.