استدل النصارى بهذا النص على عموم نبوة المسيح وقالوا إنه خاص في شأن اليونانيين والرومانيين وهو باطل لأنهم كانوا أعلم من اليهود في جميع الفنون.
وتقريره في هذا الفصل أن بُولُس كان يعظ اليهود ويعترض عليهم لما تنفروا من تنصر اليونانيين والرومانيين ويقول إنهم لم يميزوا الكتب ولم يمعنوا النظر في النواميس حيث قال الله تعالى على لسان موسى:"إني سأعيركم"الخ فهذا لا دلالة له على عمومية نبوته البتة إذ لا دلالة له على دعوة كلا الفريقين، لكنه تنبيه لليهود حتى يرتدعوا عما كانوا عليه من الغرور ويذكروا هذا النص ويحذروا يوم يعيرهم الله بأمة أخرى ويغيظهم بأمة لا فهم لها والمراد بهم العرب أولاد هاجر.
والبرهان على ذلك أنهم كانوا أميين لأنهم هم الذين لا فهم لهم ولا علم، وسياق النص في الاستثناء قوله:"إنهم قد عيروني بلا إله وأغاظوني بعبثهم فسأعيرهم بلا فئة وسأغيظهم بأمة لا فهم لها"قوله:"عيروني بلا إله أي بعبادة الأوثان لما اتخذوا العجل، وأغاظوني بعبثهم أي العبث الصادر منهم لما قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة فأنا سأعيرهم بلا فئة يريد بها أولاد هاجر المصرية يعني بني إسرائيل، وأغيظهم بأمة لا فهم لها لأنهم كانوا في تلك الأيام لا يتعاطون شيئاً من العلوم العقلية ولا النقلية ما سوى علم الشعر والمنازل وليسا بشيء".
وإلا فأقول إن كان اليونانيون في زمان موسى جهالاً لا دخل لهم في شيء من العلوم بحيث إن اليهود كانوا يستحقرونهم بالنظر إلى جهالتهم فهذا النص صادق عليهم لكن اليونانيين في زمان موسى كانوا أعلم من اليهود في جميع الأحوال، فلا يكون هذا النص صادقاً عليم، أما المقدم فلأن النصارى يدعون ذلك وأما التالي فلأنه لا شك في أن اليونانيين كانوا أعلم من اليهود في جميع العلوم سيما الإلهيات إلا علم فقه اليهود وليس بشيء .