قال القاضي أبو بكر"ابن العربي":"إن كان"الحرج"هو الشك، فقد أنار الله فؤاده"أي النبي"باليقين، وإن كان هو التبرم، فقد حبب الله إليه الدين وخفف عليه ثقل العبادة، حتى جعلت قرة عينه في الصلاة، وإن كان هو الضيق، فقد وسع الله قلبه بالعلوم وشرح صدره بالمعارف، وذلك مما فتح الله عليه من علوم القرآن".
وإذا كان الخطاب الإلهي قد توجه إلى رسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم مباشرة بوجوب أداء الأمانة وتبليغ الرسالة، دون تهاون ولا تردد ولا اعتذار، فإن توجيه هذا الخطاب الإلهي عن طريقه إلى كافة ورثته من أمراء المؤمنين وعلماء المسلمين يكون من باب أولى وأحرى، إذ لا يبرر إهمال هذا الواجب أو التهاون فيه أي مبرر شرعي أو عقلي، قال القاضي عبد الجبار:"وإذا بعثه الله تعالى - أي بعث نبيه - على الأداء، وتوعده على تركه، فغيره بذلك أولى".
وبمجرد ما انتهى الخطاب الإلهي من التوجه إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم في شأن نزول القرآن عليه لنذارة المكذبين، وبشارة المؤمنين، انتقل الخطاب الإلهي مباشرة إلى المؤمنين بالله ورسوله، ليحدثهم في شأن نزول القرآن عليهم، إذ كما أنزل عليه لتبليغه والإنذار به أنزل عليهم لإتباعه وطاعته في السراء والضراء، والسير في حياتهم على محجته البيضاء، فقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} تنبيها على أن كتاب الله نزل للعمل قبل التبرك، ونزل للأحياء قبل الأموات، وتقريرا لكونه الدستور المقدس والقانون الأعلى، الحاكم على غيره، والمهيمن على سواه في جميع المجالات.
وفي التعبير بقوله تعالى: {مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} إشارة إلى أن عناية الله بخلقه، ورعايته لهم، وإلى تمهيد جميع الوسائل لتربيتهم والأخذ بيدهم، وتقويم سلوكهم، حتى يسلكوا طريق السعادة، وينالوا الحسنى وزيادة.