هل الصبح من طلوع الشمس؟ أو الصبح من ظهور الضوء قبل أن تشرق الشمس؟ يأتي الإصباح أولا وهو النور الهادئ ، ونجد أطباء العيون بعد إجراء جراحة ما لإنسان في عينيه يقومون بفك الأربطة التي تساعد الجرح على الالتئام ، يفكونها بالتدريج حتى لا يخطف الضوء البصر فوراً ، ومن رحمة الله أن خلق فترة الصبح بضوئها الهادئ قبل أن تطلع الشمس بضوئها كله دفعة واحدة . فكأن الصبح جاء ليفلق ظلمة الليل فلقاً هادئاً ، ثم جاءت الشمس ففلقت الصبح .
إذن الإصباح فالق مرة لأنه شقّ الظلمة وفلقها ومفلوق مرة أخرى ؛ لأن الظلمة جاءت بعده . إذن فاسم الفاعل قد أدى مهمتين . . المهمة الأولى: فالق الإصباح . أي دخل بضوء الشمس . وإن قلنا: إصباحه فالق ، أي ظلمة الليل الأوى انفلقت . إذن فالإصباح فالق مرة ، ومفلوق مرة أخرى . وسبحانه حين يقول: {فَالِقُ الإصباح وَجَعَلَ الليل سَكَناً} يريد أن يعطي شقين اثنين ؛ لأنه هو في ذاته فالق الإصباح . فيأتي بالاسم ليعطي لها صفة الثبوت ، ثم جاء ب {وَجَعَلَ الليل سَكَناً} صفة الحدوث بعد وجود المتعلّق . فإذا أراد الصفة اللازمة له قبل أن يوجد المتعلق يأتي بالاسم . وإن أراد الصفة بعد أن وجد المتعلّق يأتي بالفعل .
ولذلك نجد القرآن الكريم يصور الثبات في قوله الحق: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوصيد} [الكهف: 18] .
الكلب هنا على هذه الصورة الثابتة ، وحين يريد القرآن أن يأتي بالصفة التي تتغير ، يأتي بالفعل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً} [الحج: 63] .
وكان القياس أن يقول: فأصبحت الأرض مخضرة ؛ لأنه قال:"أنزل"لكنه يأتي بالتجدد الذي يحدث {فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً} .