وكله جهل بقدر الله - سبحانه - فالله الكريم العظيم العادل الرحيم، العليم الحكيم .. لا يدع هذا الكائن الإنساني وحده، وهو يعلم سرّه وجهره، وطاقاته وقواه، ونقصه وحاجته إلى الموازين القسط التي يرجع إليها بتصوراته وأفكاره، واقواله وأعماله، وأوضاعه ونظامه، ليرى إن كانت صوابا وصلاحا، أو كانت خطأ وفسادا .. ويعلم - سبحانه - أن العقل الذي أعطاه له، يتعرض لضغوط كثيرة من شهواته ونزواته، ومطامعه ورغباته، فضلا عن أنّه موكّل بطاقات الأرض التي له عليها سلطان بسبب تسخيرها له من الله، وليس موكّلا بتصوّر الوجود تصورا مطلقا، ولا بصياغة الأسس الثابتة للحياة. فهذا مجال العقيدة التي تأتي له من الله، فتنشئ له تصورا سليما للوجود والحياة .. ومن ثم لا يكله إلى هذا العقل وحده، ولا يكله كذلك إلى ما أودع فطرته من معرفة بربها الحق، وشوق إليه، ولياذ به في الشدائد .. فهذه الفطرة قد تفسد كذلك بسبب ما يقع عليها من ضغوط داخلية وخارجية، وبسبب الإغواء والاستهواء الذي يقوم به شياطين الجن والإنس، بكل ما يملكون من أجهزه التوجيه والتأثير .. إنما يكل الله الناس إلى وحيه ورسله وهداه وكتبه، ليرد فطرتهم إلى استقامتها وصفائها، وليردّ عقولهم إلى صحتها وسلامتها، وليجلو عنهم غاشية من داخل أنفسهم ومن خارجها .. وهذا هو الذي يليق بكرم الله وفضله، ورحمته وعدله، وحكمته وعلمه ..
فما كان ليخلق البشر ثم يتركهم سدى .. ثم يحاسبهم يوم القيامة ولم يبعث فيهم رسولا: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا .. فتقدير الله قدره يقتضي الاعتقاد
الأساس في التفسير، ج 3، ص: 1712
بأنه أرسل إلى عباده رسلا يستنقذون فطرتهم من الركام، ويساعدون عقولهم على الخلاص من الضغوط، والانطلاق للنظر الخالص والتدبر العميق. وأنه أوحى إلى هؤلاء منهج الدعوة إلى الله، وأنزل على بعضهم كتبا تبقى بعدهم في قومهم إلى حين - ككتب موسى وداود وعيسى - أو تبقى إلى آخر الزمان كهذا القرآن.