وهذا القول الذي كان يقوله مشركوا مكة في جاهليّتهم، يقوله أمثالهم في كل زمان؛ ومنهم الذين يقولونه الآن؛ ممن يزعمون أن الأديان من صنع البشر، وأنها تطوّرت وترقت بتطور البشر وترقيهم .. لا يفرقون في هذا بين ديانات هي من تصورات البشر أنفسهم، كالوثنيات كلها قديما وحديثا، وترتقي بالزعم وتنحطّ بارتقاء أصحابها وانحطاطهم، ولكنها تظل خارج دين الله كله. وبين ديانات جاء بها الرسل من عند الله، وهي ثابتة على أصولها الأولى؛ جاء بها
كل رسول، فتقبلتها فئة وعتت عنها فئة؛ ثمّ وقع الانحراف عنها والتحريف فيها، فعاد الناس إلى جاهليتهم في انتظار رسول جديد.
وهذا القول الذي ذكرته الآية يقوله - قديما أو حديثا - من لا يقدر الله حق قدره، ومن لا يعرف كرم الله وفضله، ورحمته وعدله .. إنهم يقولون: إن الله لا يرسل من البشر رسولا ولو شاء لأنزل ملائكة! كما كان العرب يقولون. أو يقولون: إن خالق هذا الكون الهائل لا يمكن أن يعنى بالإنسان «الضئيل» في هذه الذرة الفلكية التي اسمها الأرض بحيث يرسل له الرسل، وينزل على الرسل الكتب لهداية هذا المخلوق الصغير في هذا الكوكب الصغير! وذلك كما يقول بعض الفلاسفة في القديم والحديث. أو يقولون: إنه ليس هناك من إله ولا من وحي ولا من رسل .. إنما هي أوهام الناس أو خداع بعضهم لبعض باسم الدين. كما يقول الماديون الملحدون!