4 -رأينا في قول إبراهيم هذا رَبِّي من يذهب إلى أن هذا المقام مقام نظر وتدبّر، ومن يذهب إلى أنه مقام مناظرة. وقد جادل ابن كثير جدالا عنيفا وطويلا ضد القول الأول مستشهدا بالآيات الكثيرة التي تثبت رفض إبراهيم للأصنام ابتداء وسلامة فطرته، وبالأحاديث التي تثبت أن كل مولود يولد على الفطرة إلى أن قال: فإذا ما كان هذا في حق سائر الخليقة فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله أمّة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين ناظرا في هذا المقام؟! بل هو أولى النّاس بالفطرة السليمة والمستقيمة بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بلا شك ولا ريب». ورجّح النسفي: أنّ كلام إبراهيم هذا للمناظرة بدليل قوله تعالى: يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ أقول: ولا شك أن من لاحظ ابتداء الكلام في قصة إبراهيم وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ ولاحظ نهاية الكلام، ثم مجيء قوله تعالى بعد ذلك وَحاجَّهُ قَوْمُهُ ... يشعر أنّ المقام مقام مناظرة. وإن كان الظاهر غيره والله أعلم.
5 -وبمناسبة قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ يذكر ابن كثير مجموعة أحاديث نذكرها بدون إسنادها مع حذف المكرّر:
-روى البخاري ... عن عبد الله قال: لما نزلت وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ قال أصحابه: وأيّنا لم يظلم؟ فنزلت: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.
روى الإمام أحمد عن عبد الله قال: لما نزلت الآية الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ شق ذلك على أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال: إنه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ إنما هو الشرك».
-روى ابن مردويه ... عن عبد الله قال: لمّا نزلت الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «قيل لي أنت منهم» .