و"الشكر"امتلاء النفس بالإحساس بالنعمة، واندفاع النفس إلى الطاعة والخضوع، والقيام بحق المنعم ومقابلة الفضل والنعمة بالإحسان في الطاعة والواجبات، وقد قال تعالى في ذلك: (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ. . .) ، ويقول ابن جرير الطبري: إن الحمد والشكر بمعنى واحد، والحق أنهما يتلاقيان ويختلفان، فيتلاقيان في معنى الإحساس بالنعمة والقيام بحقها، وما يجب بالنسبة للمنعم، ولكنهما يختلفان في القيام بحق المنعم، فالقيام بحق المنعم في الشكر الطاعة والعمل وجعل الجوارح كلها في طاعة الله تعالى، والخضوع المطلق لله تعالى في كل شأن من شئونه، وحال من أحواله. والقيام بحق المنعم في الحمد الثناء على الله تعالى ثناء مطلقا كاملا مع تذكر نعمائه، وتذكر ما يحيطه من الوجود كله، لَا في ناحية من نواحي شخصه؛ ولذلك روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"الحمد رأس الشكر"والحمد ذاته عبادة والشكر يكون على النعمة وبالمثابرة على الطاعة والعبادة.
ومهما يكن فالألفاظ الثلاثة متقاربة في مؤداها - وإن تخالفت في مدلولاتها و"ال"في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) للاستغراق والكمال، أي الحمد كله وبكماله لله تعالى وحده، فلا يستحق أحد من خلقه حمدا؛ لأن الحمد كما ذكرنا عبادة، والعبادة لله تعالى، وحده وحمد غيره عبادة لغيره، وشرك بالله تعالى، وأصل
الضلال يبتدئ من حمد غير الله، والثناء عليه، ثم ينقاد من بعد ذلك إلى ما يخرجه عن طاعة الله، فلا حمد إلا لله ولا ثناء إلا لله.
وإن الحمد إنما هو ابتداءً على ما أنعم الله تعالى على الوجود الكوني والإنساني من غير وجود فيكون الحمد له وحده، وتُقرأ كلمة"الحمد لله"برفع الدال. والمعنى: الحمد الثابت الكامل المستغرق لكل صنوف الحمد هو لله وحده، ولا يحمد سواه؛ لأن كل نعم هذا الوجود الكوني والإنساني لله تعالى، فكل خير الوجود منه وإليه.