إن جبل الذهب رزق ولكن لا ينتفع به مباشرة . والرزق الذي ننتفع به مباشرة هو الطعام والشراب والكسوة . ونحن نحتاج إلى الطعام والشراب كل يوم ، ونحتاج إلى ملابس جديدة مرة كل ستة أشهر في المتوسط . إذن فالرزق المباشر هو المقوّم الأساسي للحياة .
والولي الذي ينصر لا بد أن تتوافر فيه القدرة على الإطعام الذي يمدنا بالقدرة التي هي أساس الحياة إنها طاقة استمرار الإنسان على الأرض . فالأم تطعم طفلها وهي تَطْعَم أيضاً بما يأتيها زوجها من طعام . والحق سبحانه وتعالى وحده هو الذي يُطعم كل الخلق ولا يُطعمه أحد . . وحينما نسلسل كل عطاء في الدنيا نجده يئول إلى الله تعالى .
إذن فلا تجعل وليّك في الوسائط ، بل اجعله في الغايات ؛ لأن الوسائط كلها راجعة في الحقيقة إلى الله ، ويأتي الأمر من الحق لرسوله: {قُلْ إني أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين} .
وهذا الأمر يجيء من الآمر الأعلى وهو الله . فالرسول لم يقل: إن هذا الأمر منه ؛ لأنه بشر مثلنا ، وسبحانه أبلغ رسولنا أن يكون هو أول من أسلم ، وأن ينال شرف الالتزام بمبادئ الإسلام ، والمثال على ذلك أن كل قائد مسلم هو القدوة لغيره ، فها هو ذا طارق بن زياد الذي فتح الأندلس وهي مُلْك عريض ، ونزل من السفن وقال لجنوده: أنا لم آمركم أمراً عنه بنجوةٍ - أي أنا بعيد عنه - بل أنا معكم ، واعلموا أني عندما يلتقي الجمعان حامل بنفسي على طاغية القوم"لزريق"فقاتِلُهُ إن شاء الله . إنه لم يأمر بأمر لم يطبقه على نفسه ، بل طبقه على نفسه أولاً ، وآفة الأوامر أن كل إنسان يأمر أمراً ولا يطبقه على نفسه .
ومن قبل ذلك كان سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قد حكم نفسه أولاً فحكم الدنيا ، لقد جمع أقاربه أولاً وقال لهم: إني سأشرع للمسلمين ، والذي نفسي بيده من خالفني منكم إلى شيء فيه لأجعلنه نكالاً للمسلمين .