انْتَقَلَ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ تَبْكِيتِ الْيَهُودِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى هُزُئِهِمْ وَلَعِبِهِمْ بِمَا تَقَدَّمَ ، إِلَى مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ تَبْكِيتًا وَتَشْنِيعًا عَلَيْهِمْ ، بِمَا فِيهِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِسُوءِ حَالِهِمْ مَعَ أَنْبِيَائِهِمْ ، وَمَا كَانَ مِنْ جَزَائِهِمْ عَلَى فِسْقِهِمْ ، وَتَمَرُّدِهِمْ بِأَشَدِّ مَا جَازَى اللهُ تَعَالَى بِهِ الْفَاسِقِينَ الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ ، وَهُوَ اللَّعْنُ وَالْغَضَبُ ، وَالْمَسْخُ الصُّورِيُّ أَوِ الْمَعْنَوِيُّ ، وَعِبَادَةُ الطَّاغُوتِ ، وَقَدْ عَظُمَ شَأْنُ هَذَا الْمَعْنَى بِتَقْدِيمِ الِاسْتِفْهَامِ عَلَيْهِ ، الْمُشَوِّقِ إِلَى الْأَمْرِ الْعَظِيمِ الْمُنْبِأِ عَنْهُ .
أَمَّا لَعْنُ اللهِ فَهُوَ مُبَيَّنٌ مَعَ سَبَبِهِ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ مِنْ سُورَتَيِ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ ، وَقَدْ
تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ ، وَكَذَا هَذِهِ السُّورَةُ (الْمَائِدَةُ) فَسَيَأْتِي فِي غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، خَبَرُ لَعْنِهِمْ ، وَمِنْهَا أَنَّهُمْ لُعِنُوا عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ . وَبَعْضُ ذَلِكَ اللَّعْنِ مُطْلَقٌ ، وَبَعْضُهُ مُقَيَّدٌ بِأَعْمَالٍ لَهُمْ ; كَنَقْضِ الْمِيثَاقِ . وَالْفِرْيَةِ عَلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ ، وَتَرْكِ التَّنَاهِي عَنِ الْمُنْكَرِ .
وَمِنْهُ لَعْنُ أَصْحَابِ السَّبْتِ ; أَيِ الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِيهِ . وَقَدْ ذُكِرَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مُجْمَلًا ، وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ مُفَصَّلًا .
وَالْغَضَبُ الْإِلَهِيُّ يَلْزَمُ اللَّعْنَةَ وَتَلْزَمُهُ ، بَلِ اللَّعْنَةُ عِبَارَةٌ عَنْ مُنْتَهَى الْمُؤَاخَذَةِ لِمَنْ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ كُلٍّ مِنْهُمَا .