والأمر هاهنا واحد الأمور يأتي بأمر لا يعرفون سببه ووجه إلزامهم في ذلك أن الأمور ضربان: واجب ، وممكن ، وما وعد الله تعالى من نصرة المؤمنين فواجب كونه أي صادق الوجود. يقال: هب أن لك ليس من الواجب إما جعلتموه من الممكنات التي عسى أن تكون ، فأخبر أن المنافقين يميلون إلى الكفار ويقولون لا نأمن أن تكون لهم دولة على أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك لقلة إيمانهم بما ضمن الله من نصرة المؤمنين وقال تعالى: (فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ) على ما فعلوه ، ونبه أنه يأتيهم بذلك ، فإن عسى منه واجب.
قوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ(53)
أي أقسموا أن يوالوكم على الكفار ، ولم يفعلوا ،
وقوله: (جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) أي أبلغ الإيمان وأقصاها من قولهم جهد
في الأمر ونصبه على المصدر ،
وقوله: (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) يصح أن يكون معطوفاً على ما حكى عن الذين آمنوا ، ويصح أن يكون استئناف كلام من الله على طريق الإخبار ،
وعلى طريق الدعاء عليهم .
وإذا قرأ: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا) فتقديره: عسى الله أن يأتي بالفتح ، وأن يقول الذين آمنوا.
وقرأه أهل المدينة ، يقول الذين آمنوا بغير الواو.
وإنما قال: (فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ) فخص لفظ الإصباح لأمرين:
أحدهما: لما كان أكثر محاربتهم وغاراتهم وقت الصباح كثر عبارتهم عن التغيرات وعلى هذا قول الشاعر:
يَا راقداً الليلَ مسروراً بأوله ... إن الحوادثَ قَدْ يَطرقنَ أسحاراً