لقد حسب الرجل المسألة وهو لا يدري أن الله سبحانه وتعالى يقذف في باله الخواطر ، فيُسرع ليشتري قطعة الأرض . وبعد ذلك يأتي بمن يُصمّم بنيان العمارة ومن يقوم بالبناء ، وتخرج النقود المكتنزة . وهكذا نرى أن الثرى قبل أن ينتفع بعمارته كان غيره قد انتفع بماله حتى أكثر طبقات المجتمع فقرا . ويحدث كل ذلك بمجرد الخاطر . ولكل إنسان خواطره ، فالبخيل له من يسرف في ماله ، والكريم له من يكتنز من ماله . وإياك أن تظن أن هناك حركة في الوجود خارجة عن إرادة الله . فالحق يقول: {إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُواْ} [آل عمران: 89]
وهم يفعلون ذلك لأن الذنوب تطاردهم ، فيعوضون ذلك بإصلاح أعمالهم . ولذلك نجد أن الخير إنما يأتي من المسرفين على أنفسهم فيريدون إصلاح أمورهم وليس هناك من يستطيع أن يأخذ شيئاً من وراء الله . {إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات} [هود: 114]
كأن الحق سبحانه وتعالى بمجرد الخواطر يدفع الناس إلى ما يريد . نعم . فهو غيب قيّوم ؛ ولذلك يكون تدبيره في الكون غيباً . وفي قرانا يخصّصون يوماً للسّوق ونرى ساحته في اليوم المُخصص ونتأملها فنتعجب من إبداع مُحرّك الكون ؛ ففي الصباح يسير رجال إلى السوق ومعهم عصيّهم ولا يحملون شيئاً . وهؤلاء ذاهبون لشراء ما يحتاجون إليه ، وآخرون يسوقون أمامهم العجول أو الحمير ، وهؤلاء يذهبون لبيع بضائعهم . ونرى نساء تحمل كل واحدة منهُن صنفاً من الخضار فنعرف أنهن يذهبن للبيع في السوق .
ونرى أخريات يحملن سِلالاً فارغة ، ونعرف أن كلاً منهن ذاهبة للشراء . وفي آخر النهار نرى المسألة معكوسة ، من كان يحمل في الصباح شيئاً حمله غيره ، فمن الذي هيّج الخواطر ليذهب من يرغب في البيع إلى السوق ليبيع؟