ثُمَّ إنَّ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ مَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ السَّرِقَةَ إنَّمَا تَقَعُ مِنْ فَاعِلِهَا سِرًّا كَمَا يَقْتَضِيهِ اسْمُهَا، وَلِهَذَا يَقُولُونَ:"فُلَانٌ يَنْظُرُ إلَى فُلَانٍ مُسَارَقَةً"إذَا كَانَ يَنْظُرُ إلَيْهِ نَظَرًا خَفِيًّا لَا يُرِيدُ أَنْ يَفْطِنَ لَهُ، وَالْعَازِمُ عَلَى السَّرِقَةِ مُخْتَفٍ كَاتِمٌ خَائِفٌ أَنْ يُشْعَرَ بِمَكَانِهِ فَيُؤْخَذَ بِهِ، ثُمَّ هُوَ مُسْتَعِدٌّ لِلْهَرَبِ وَالْخَلَاصِ بِنَفْسِهِ إذَا أَخَذَ الشَّيْءَ، وَالْيَدَانِ لِلْإِنْسَانِ كَالْجَنَاحَيْنِ لِلطَّائِرِ فِي إعَانَتِهِ عَلَى الطَّيَرَانِ، وَلِهَذَا يُقَالُ:"وَصَلْت جَنَاحَ فُلَانٍ"إذَا رَأَيْته يَسِيرُ مُنْفَرِدًا فَانْضَمَمْت إلَيْهِ لِتَصْحَبَهُ، فَعُوقِبَ السَّارِقُ بِقَطْعِ الْيَدِ قَصًّا لِجَنَاحِهِ، وَتَسْهِيلًا لِأَخْذِهِ إنْ عَاوَدَ السَّرِقَةَ، فَإِذَا فَعَلَ بِهِ هَذَا فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ بَقِيَ مَقْصُوصَ أَحَدِ الْجَنَاحَيْنِ ضَعِيفًا فِي الْعَدْوِ، ثُمَّ يَقْطَعُ فِي الثَّانِيَةِ رِجْلَهُ فَيَزْدَادُ ضَعْفًا فِي عَدْوِهِ، فَلَا يَكَادُ يَفُوتُ الطَّالِبَ، ثُمَّ تُقْطَعُ يَدُهُ الْأُخْرَى فِي الثَّالِثَةِ وَرِجْلُهُ الْأُخْرَى فِي الرَّابِعَةِ، فَيَبْقَى لَحْمًا عَلَى وَضَمٍ، فَيَسْتَرِيحُ وَيُرِيحُ.
[أَقْسَامُ الذُّنُوبِ]
ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الذُّنُوبَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
قِسْمًا فِيهِ الْحَدُّ، فَهَذَا لَمْ يَشْرَعْ فِيهِ كَفَّارَةً اكْتِفَاءً بِالْحَدِّ.
وَقِسْمًا لَمْ يُرَتِّبْ عَلَيْهِ حَدًّا، فَشَرَعَ فِيهِ الْكَفَّارَةَ، كَالْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَالْوَطْءِ فِي الْإِحْرَامِ، وَالظِّهَارِ، وَقَتْلِ الْخَطَأِ، وَالْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقِسْمًا لَمْ يُرَتِّبْ عَلَيْهِ حَدًّا وَلَا كَفَّارَةً، وَهُوَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ الْوَازِعُ عَنْهُ طَبِيعِيًّا، كَأَكْلِ الْعَذِرَةِ، وَشُرْبِ الْبَوْلِ وَالدَّمِ.
وَالثَّانِي: مَا كَانَتْ مَفْسَدَتُهُ أَدْنَى مِنْ مَفْسَدَةِ مَا رُتِّبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، كَالنَّظَرِ وَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَالْمُحَادَثَةِ، وَسَرِقَةِ فِلْسٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
الْكَفَّارَاتُ فِي ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ
وَشَرَعَ الْكَفَّارَاتِ فِي ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: