[لَيْسَ مِنْ الْحِكْمَةِ إتْلَافُ كُلِّ عُضْوٍ وَقَعَتْ بِهِ مَعْصِيَةٌ]
وَأَمَّا مُعَاقَبَةُ السَّارِقِ بِقَطْعِ يَدِهِ وَتَرْكِ مُعَاقَبَةِ الزَّانِي بِقَطْعِ فَرْجِهِ فَفِي غَايَةِ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ، وَلَيْسَ فِي حِكْمَةِ اللَّهِ وَمَصْلَحَةِ خَلْقِهِ وَعِنَايَتِهِ وَرَحْمَتِهِ بِهِمْ أَنْ يُتْلِفَ عَلَى كُلِّ جَانٍ كُلَّ عُضْوٍ عَصَاهُ بِهِ، فَيَشْرَعُ قَلْعَ عَيْنِ مَنْ نَظَرَ إلَى الْمُحَرَّمِ وَقَطْعَ أُذُنِ مَنْ اسْتَمَعَ إلَيْهِ، وَلِسَانِ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ، وَيَدِ مَنْ لَطَمَ غَيْرَهُ عُدْوَانًا، وَلَا خَفَاءَ بِمَا فِي هَذَا مِنْ الْإِسْرَافِ وَالتَّجَاوُزِ فِي الْعُقُوبَةِ وَقَلْبِ مَرَاتِبِهَا؛ وَأَسْمَاءُ الرَّبِّ الْحُسْنَى وَصِفَاتُهُ الْعُلْيَا وَأَفْعَالُهُ الْحَمِيدَةُ تَأْبَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ مُجَرَّدَ الْأَمْنِ مِنْ الْمُعَاوَدَةِ لَيْسَ إلَّا، وَلَوْ أُرِيدَ هَذَا لَكَانَ قَتَلَ صَاحِبَ الْجَرِيمَةِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الزَّجْرُ وَالنَّكَالُ وَالْعُقُوبَةُ عَلَى الْجَرِيمَةِ، وَأَنْ يَكُونَ إلَى كَفِّ عُدْوَانِهِ أَقْرَبَ، وَأَنْ يَعْتَبِرَ بِهِ غَيْرُهُ، وَأَنْ يُحْدِثَ لَهُ مَا يَذُوقُهُ مِنْ الْأَلَمِ تَوْبَةً نَصُوحًا، وَأَنْ يُذَكِّرَهُ ذَلِكَ بِعُقُوبَةِ الْآخِرَةِ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ.
[الْحِكْمَةُ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ]