وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْقَطْعِ بِهَذَا الْقَدْرِ فَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مِقْدَارٍ يُجْعَلُ ضَابِطًا لِوُجُوبِ الْقَطْعِ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ فِلْسٍ أَوْ حَبَّةِ حِنْطَةٍ أَوْ تَمْرَةٍ، وَلَا تَأْتِي الشَّرِيعَةُ بِهَذَا، وَتُنَزَّهُ حِكْمَةُ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ وَإِحْسَانُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَا بُدَّ مِنْ ضَابِطٍ، وَكَانَتْ الثَّلَاثَةُ دَرَاهِمَ أَوَّلَ مَرَاتِبِ الْجَمْعِ، وَهِيَ مِقْدَارُ رُبُعِ دِينَارٍ، وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ التَّابِعِينَ: كَانُوا لَا يَقْطَعُونَ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ؛ فَإِنَّ عَادَةَ النَّاسِ التَّسَامُحُ فِي الشَّيْءِ الْحَقِيرِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، إذْ لَا يَلْحَقُهُمْ ضَرَرٌ بِفَقْدِهِ، وَفِي التَّقْدِيرِ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ حِكْمَةٌ ظَاهِرَةٌ؛ فَإِنَّهَا كِفَايَةُ الْمُقْتَصِدِ فِي يَوْمِهِ لَهُ وَلِمَنْ يَمُونُهُ غَالِبًا، وَقُوتُ الْيَوْمِ لِلرَّجُلِ وَأَهْلِهِ لَهُ خَطَرٌ عِنْدَ غَالِبِ النَّاسِ؛ وَفِي الْأَثَرِ الْمَعْرُوفِ: «مَنْ أَصْبَحَ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي بَدَنِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا» .
[فَصْلٌ: سُقُوطُ الْحَدِّ عَامَ الْمَجَاعَةِ]
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَسْقَطَ الْقَطْعَ عَنْ السَّارِقِ فِي عَامِ الْمَجَاعَةِ، قَالَ السَّعْدِيُّ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْخَزَّازُ ثنا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ زَاهِرٍ أَنَّ ابْنَ حُدَيْرٍ حَدَّثَهُ عَنْ عُمَرَ قَالَ: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِي عِذْقٍ وَلَا عَامِ سَنَةٍ.
قَالَ السَّعْدِيُّ: سَأَلْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: الْعِذْقُ النَّخْلَةُ، وَعَامُ سَنَةٍ: الْمَجَاعَةُ، فَقُلْت لِأَحْمَدَ: تَقُول بِهِ؟ فَقَالَ: إي لَعَمْرِي، قُلْت: إنْ سَرَقَ فِي مَجَاعَةٍ لَا تَقْطَعُهُ؟ فَقَالَ: لَا، إذَا حَمَلَتْهُ الْحَاجَةُ عَلَى ذَلِكَ وَالنَّاسُ فِي مَجَاعَةٍ وَشِدَّةٍ.