فلما قتله بالعراء لم يدر ما يصنع به ، لأنه كان أوّل ميّت على وجه الأرض من بني آدم فقصده السباع ، فحمله في جراب على ظهره سنة حتى أروح وعلقت به الطير والسباع تنظر متى يرمي به فتأكله . {فَبَعَثَ الله} غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر له بمنقاره وبرجله عليه حتى مكّن له ثم ألقاه في الحفيرة وواراه . وقابيل ينظر إليه فلما رأى ذلك {قَالَ يَاوَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي} أي جيفته وفيه دليل على أن الميت كلّه عورة {فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين} على حمله لا على قتله ، وقيل: على موت أخيه لا على ركوب الذنب .
يدل عليه ما أخبر الأوزاعي عن المطلب بن عبد اللّه المخزومي قال: لما قتل ابن آدم أخاه رجفت الأرض بما عليها سبعة أيام ثم شربت الأرض دمه كما يشرب الماء ، فناداه اللّه: أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري ، ما كنت عليه رقيباً ، فقال اللّه عز وجل: إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض فلم قتلت أخاك؟ فأين دمه إن كنت قتلته؟ ومنع اللّه عز وجل على الأرض يومئذ أن تشرب دماً بعدها أبداً .
مقاتل بن الضحّاك عن ابن عباس قال: لما قتل قابيل هابيل وآدم بمكّة أشتال الشجر وتغيّرت الأطعمة وحمضت الفواكه: وأمرّ الماء واغبرّت الأرض .
فقال آدم (عليه السلام) : قد حدث في الأرض حدث فأتى الهند فإذا بقابيل قد قتل هابيل فأنشأ يقول ، وهو أوّل من قال الشعر:
تغيرت البلاد ومن عليها ... ووجه الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي لون وطعم ... وقلّ بشاشة الوجه الصبيح