وإياك أن تنظر إلى مجترئ على غيرك ، بالباطل ، وتقف مكتوف اليدين ؛ لأن الوحدة الإيمانية تجعل المؤمنين جميعاً كالجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسّهر والحُمى . فإن قَتل إنسان إنساناً آخر ووقف المجتمع الإيماني موقف العاجز . فهذا إفسادٌ في الأرض ، ولذلك يجب أن يقابل المجتمع مثل هذا الفعل لا على أساس أنه قتل نفسا واحدة ، بل كأنه قتلٌ للناس جميعاً ما لم يكن قتل النفس لقصاص أو إفساد في الأرض .
ويكمل الحق سبحانه الشق الثاني من تلك القضية الإيمانية: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} ، وهذه هي الوحدة الإيمانية ، فمن يعتدي على نفس واحدة بريئة ، كمن يعتدي على كل الناس ، والذي يسعف إنساناً في مهلكه كأنه أنقذ الناس جميعاً .
وفي التوقيع التكليفي يكون التطبيق العملي لتلك القاعدة ، فالذي يقتل بريئاً عليه لعنة الله وغضبه ويعذبه الله ، وكأنه قتل الناس أجمعين ، وإن نظرنا إليها من ناحية الجزاء فالجزاء واحد .
{وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} . وسبحانه وتعالى يريد ألا يستقبل المجتمع الإيماني مجترئاً بباطل على حق إلا أن يقف كل المجتمع أمامه ، فلا يقف المعتدَى عليه بمفرده ؛ لأن الذي يُجرِّئ أصحاب الشرّ هو أن يقول بعض الناس كلمة"وأنا مَالِي".
و"الأنا مالية"هي التي تُجرِّئ أصحاب الشرور ، ولذلك اقرأوا قصة الثيران الثلاثة: الثور الأسود والثور الأحمر والثور الأبيض ، فقد احتال أسد على الثورين الأحمر والأسود ، فسمحا له بأكل الثور الأبيض . واحتال على الثور الأسود فسمح الثور الأسود للأسد بأكل الثور الأحمر ؛ وجاء الدور على الثور الأسود ؛ فقال للأسد:
-أُكِلتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض . كأن الثور التفت إلى أن"أنا ماليته"جعلته ينال مصرعه . لكن لو كان الثيران الثلاثة اجتمعوا على الأسد لقتلوه .