ولماذا جاء الحق هنا ببني إسرائيل؟ . سبب ذك أن بني إسرائيل اجترأوا لا على قتل النفس فقط بل اجترأوا على قتل النفس الهادية ، وهي النفس التي تحمل رسالة النّبوة ، ولذلك كان التخصيص ، فقد قتلوا أنبيائهم الذين حملوا لهم المنهج التطبيقي ؛ لأن الأنبياء يأتون كنماذج تطبيقية للمناهج حتى يلفِتوا الناس إلى حقيقة تطبيق منهج الله . الأنبياء - إذن - لا يأتون بشرع جديد ، ولكنهم يسيرون على شرع من قبلهم . فلماذا قتل بنو إسرائيل بعضاً من الأنبياء؟ لقد تولّدت لدى بني إسرائيل حفيظة ضد هؤلاء الأنبياء .
ونعلم أن الإنسان الخيّر حين يصنع الخير ويراه الشرّير الذي لا يقدر على صناعة الخير فتتولد في نفس الشرّير حفيظة وحقد وغضب على فاعل الخير . ففاعل الخير كلما فعل خيراً إنما يلدغ الشرّير ، ولذلك يحاول الشرّير أن يُزيح فاعل الخير من أمامه . وكان الأنبياء هم القدوة السلوكية ، وقد قال الحق عن بني إسرائيل: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله مِن قَبْلُ} [البقرة: 91]
وجاء الحق هنا ب"من قبل"هذه لحكمة ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في عداءٍ مع اليهود ، وقد تَهبّ عليهم الخواطر الشرّيرة فيحاولون قتل النّبي .
وقد حاولوا ذلك . مثلما أرادوا أن يلقوا عليه حجراً ، ودسُّوا له السّم ، ولذلك قال الله:"من قبل"أي إن قدرتكم على قتل الأنبياء كانت في الماضي ؛ أما مع محمد المصطفى فلن تُمكَّنُوا منه .
ويقول سبحانه: {مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بني إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً} . وهذا توضيح لإرادة الحق في تأسيس الوحدة الإيمانية ليجعل من المجتمع الإيماني رابطة يوضحها قول رسول الله فيما رواه أبو موسى الأشعري عنه:
"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"