والكثيرون من المفسرين على أن غرابين تناقرا فمات أحدهما، فدفنه الآخر بحفر حفرة في الأرض.
والحق أن الآية الكريمة نصت على أن الغراب قد أخذ يبحث في الأرض، حتى حفر حفرة، دفن فيها شحيئا أو طيرا ميتا، ولم تتعرض لكون المدفون طيرا أو غير طير، ولا لكون الطير مات بقتل الدافن، أو مات بسبب آخر، والآية الكريمة بينة واضحة المقصد من غير فرض واحد من هذه الفروض بعينه، وما دامت الأخبار التي لَا مناص من قبولها لصدقها غير موجودة فليس لنا أن نفرض واحدا من هذه الفروض بعينه، والفرض الواحد الذي يقتضيه بيان الغرض والمغزى هو أن نفرض أن الغراب أخذ يحفر في الأرض، حتى أتم حفرة وضع فيها شيئا، فعلم القاتل الجهول أن ذلك هو الطريق لدفن أخيه.
وأصل كلمة"يبحث"معناها كشف أو دق الأرض أو حفرها، وقد جاء في مفردات الراغب الأصفهاني:"البحث"الكشف والطلب فيقال بحثت عن الأمر، وبحثت كذا، قال تعالى:
(فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي ...(31)
وقيل بحَثَت الناقة الأرض بأرجلها في السير إذا شددت الوطء تشبيها بذلك.
والمعنى: أن الغراب أخذ يدق بمنقاره مثيرا للأرض، حتى حفر حفرة فيها، ثمِ دفن ما شاء أن يدفنه، وأنه دأب في ذلك وقتا طويلا بدليل التعبير بقوله (ييْحَثُ) بالمضارع بدل الماضي، لأن في التعبير بالمضارع إشارة إلى حال استمرت لا إلى واقعة وقعت فقط، فالتعبير بالمضارع عن أمر مضى لبيان أن الفعل مكث وقتا وكان مجال استمرار،
وفى كل هذه الأمور التي كانت بعد قتل أخيه ما يثير العبرة، وإذا كان الغراب قد أراه كيف يواري سوءة أخيه، فإن ضميره قد استيقظ، وأصبح لا يستطيع كيف يواري سوءة فعله التي فتحت باب القتل والقتال إلى يوم القيامة؛ ولذلك صرح القرآن بأنه اعتراه الندم، ولكن في غير مندم؛ لأن الجريمة قد وقعت، ولا منجاة منها؛ ولذلك قال سبحانه: (قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي) .