الفصل الثاني
اختلاف الأئمة
امتلأ المسجد بالشباب الذين امتدوا إلى الشوارع المجاورة لمسجد القرية، بينما جلست الأخوات فوق البيوت يسمعن المحاضرة.
واستفتح الشيخ بالذي هو خير، ثم بدأ الحديث.
عارف: أقدم للمحاضرة بعض النقاط الهامة، التي توفر علينا كثيراً من الوقت.
أولاً: عصم الله هذه الأُمة عندما حدد القرآن كل جزئيات العقيدة، قلم تختلف الأُمة في عقيدتها.
أكرم الله هذه الأُمة، عندما جعل الشريعة الإسلامية قسمين.
* قسم إلهي: حدده القرآن بالنص - الذي لا يقبل التأويل - كتحريم الربا، والسرقة، والزنا أو إباحة الطيبات، وبيان الفرائض.
وهذا الجانب لم تختلف فيه الأُمة.
وحكمه حكم العقيدة، ومُنكره كافر.
* وقسم اجتهادي: جعل الله نصوصه قابلة للاجتهاد، وتعدد الفهم.
وذلك ليتسع عطاءُ الشريعة، لأنَّ نصوصها محددة، ومشكلات الناس لا نهائية، وهذا جانب من جوانب عظمة الشريعة.
ثانياً: أجمعت الأُمة على أن القرآن الكريم وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - هما أصل الشريعة.
ولم تختلف الأُمة إلا في السند الذي وصلتنا السنة عن طريقه.
فمن الأئمة من قبل سنداً وعمل به، ومنهم من رفض هذا السند ولم يعمل بمتنه.
لعدم الثقة في رجاله.
وهذه مسألة تخضع لعلم مصطلح الحديث، وعلم الجرح والتعديل، وتاريخ الرجال (1) .
ولكن الذي أُؤكده الآن، أن أحداً من الأئمة لم يتعمد رفض حديث صحيح، فإن وُجد لواحد منهم قولاً يخالف حديثاً صحيحاً، فلابد من عذر له، في عدم الأخذ بهذا الحديث.
وذلك كضعف السند الذي وصل به هذا الحديث عند هذا الإمام.
مع أن الحديث نفسه قد يصل إماماً آخر بسند أقوى فيقبله.
أو بسبب اقتناع الإمام بحديث أقوى سنداً من الحديث الأول , فيأخذ بالأقوى.
وقد يتعارض الحديث مع ظاهر آية قرآنية، فيشك الإمام في سند الحديث، فيأخذ بالآية، ويُؤول الحديث.
عماد: نرجو أن يسوق الشيخ لنا مثالاً لذلك.
الشيخ: النماذج كثيرة.
من ذلك مثلاً ما روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن القصاص، إذا قتل مسلم كافراً.
روى البخاري عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا يُقتل مسلم بكافر.
(1) علم الجرح والتعديل.
هو علم دراسة تاريخ الرجال الذين نقلوا إلينا الحديث.
والحكم على روايتهم بالقبول والرفض.