وإذا كانت ترى في الحديث الضعيف رائحة الصحة، فإن أبا حنيفة كان يرى فيه ملامح الوضع، والكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
يا ثائر يا ولدي أعجبتني كلمة للأستاذ الإمام محمد الغزالي يقول فيها: (إن نقد الأئمة لا يتصدى له إلا من قارب مستواهم على الأقل، وكان نقده بياناً للحق، كما وقر في نفسه، دون أن يجعل الحق حكراً على فهمه هو، ودون أن يحرم عباد الله الصالحين أجورهم على ما اجتهدوا، أخطأُوا أم أصابوا.
ثم يقول فضيلته: وقد درست الحصيلة الأخيرة لجهود هؤلاء الذين يتطاولون على فقه الأئمة فوجدتها تشكيلة من فقه المذاهب القديمة، أساسها التلفيق، ورأيت أحكاماً جديدة يدعي من بلغوها أنها الدين، وهي لا تزيد على أنها آراءٌ لأصحابها، تخضع لقانون الخطأ والصواب يؤجرون عليها - إن شاء الله - أصابوا أم أخطأُوا.
ومشكلة هؤلاء أنهم يفهمون من الأثر (الحديث) المروي فهماً ما، فإذا خالفهم غيرهم قالوا له: خالفت رسول الله.
مع أن فهمهم قد يكون شراً مستطيراً على السنة وصاحبها، والدين ومستقبله، فمن حق أولي الألباب من العلماء أن يأخذوا على أيديهم، ويُحذروا الناس منهم (1) .
فأئمة المسلمين يا ثائر كانوا علماء بالحديث الشريف، ومنه استمدوا أُصول اجتهادهم.
وقد أجمعت الأُمة على أن الأئمة رضي الله عنهم لم يتعمدوا مخالفة لنص قرآني ولا لحديث صحيح، فإن وُجِد لواحد منهم رأي يخالف حديثاً صحيحاً، فلابد من عر له في عدم الأخذ بهذا الحديث.
وذلك كضعف سند الحديث عند هذا الإمام، أو ثبوت حديث أقوى منه سنداً، فيأخذ الإمام بالحديث الأقوى، أو تعارض الحديث مع ظاهر آية قرآنية، فيأخذ الإمام بالآية القرآنية، ويؤول الحديث (2) .
راضي: أجلس بينكم ولا أكاد أفهم شيئاً يا شيخ عارف.
شاكر: نحن بحاجة إلى محاضرة طويلة، يشرح فيها الشيخ عارف هذه القضية بإسهاب.
لأن الشباب بحاجة إلى من يبصره بحقائق الإسلام.
عارف: اقرأ أنت يا شيخ شاكر، فوقتك أوسع، وأنت شاب مثلهم، وإن اختلفوا معك، فهم يُحبونك والحمد لله.
شاكر: أي كتاب عالج هذه القضية يا شيخ عارف؟.
عارف:"الانصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الخلاف"للبطليوس.
"بداية المجتهد لابن رشد."
وقد كتب في هذا الموضوع الدكتور مصطفى الزلمي.
(1) دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين (بتصرف) .
(2) سنعرف النماذج في الفصل القادم إن شاء الله.