إنما قلنا: إن الإيمان حسنة ، لأن الحسنة هي الغبطة الخالية عن جميع جهات القبح ، ولا شك أن الإيمان كذلك ، فوجب أن يكون حسنة لأنهم اتفقوا على أن قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى الله} [فصلت: 33] المراد به كلمة الشهادة ، وقيل في قوله: {إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان} [النحل: 90] قيل: هو لا إله إلا الله ، فثبت أن الإيمان حسنة ، وإنما قلنا إن كل حسنة من الله لقوله تعالى: {مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله} وقوله: {مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ} يفيد العموم في جميع الحسنات ، ثم حكم على كلها بأنها من الله ، فيلزم من هاتين المقدمتين ، أعني أن الإيمان حسنة ، وكل حسنة من الله ، القطع بأن الإيمان من الله.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من كون الإيمان من الله هو أن الله أقدره عليه وهداه إلى معرفة حسنة ، وإلى معرفة قبح ضده الذي هو الكفر ؟
قلنا: جميع الشرائع مشتركة بالنسبة إلى الإيمان والكفر عندكم ، ثم إن العبد باختيار نفسه أوجد الإيمان ، ولا مدخل لقدرة الله وإعانته في نفس الإيمان ، فكان الإيمان منقطعا عن الله في كل الوجوه ، فكان هذا مناقضا لقوله: {مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله} فثبت بدلالة هذه الآية أن الإيمان من الله ، والخصوم لا يقولون به ، فصاروا محجوجين في هذه المسألة ، ثم إذا أردنا أن نبين أن الكفر أيضا من الله.
قلنا فيه وجوه:
الأول: أن كل من قال: الإيمان من الله قال: الكفر من الله ، فالقول بأن أحدهما من الله دون الآخر مخالف لإجماع الأمة.