فبينما أنا أردد هذه الأبيات وعينان ينسكبان انسكاباً لا أملك رد دمعهما. إذ قال لي رجل إلى جنبي من عذرة: يا أبا عبد الله هل تعرف قائل هذا الشعر؟ قلت لا والله. قال هذا الميت"الذي دفناه"وأنت الغريب الذي تبكي عليه،"ولا تعرفه ولا تعلم أنه قائل هذا الشعر"وذو قرابته الذي ذكر أنه مسرور هو ذاك، وأشار إلى رجل في الجماعة وقال: والله ما يستطيع كتمان ما هو عليه من السرور بفقده.
فقال له معاوية: يا أخا جرهم سل ما شئت قال: ما مضى من عمري ترده؟ والأجل إذا حضر تدفعه؟ قال: ليس ذلك إلي سل غير ذلك قال: يا أمير المؤمنين ليس إليك الدنيا فترد شبابي، ولا الآخرة فتكرم مآبي، وأما المال فقد أخذت منه في عنفواني ما كفاني.
قال لابد أن تسألني قال: أما إذ أبيت فأمر لي برغيفين أتغدى بأحدهما وأتعشى بالآخر، واتق الله واعلم أنك مفارق ما أنت فيه، وقادم على ما قدمت، فأمر له معاوية برواحل كثيرة من الحنطة وغيرها فردّها. وقال إن أعطيت المسلمين كلهم مثل ما أعطيتني أخذت وإلا فلا حاجة لي في ذلك وودعه وانصرف. انتهى انتهى {المستجاد من فعلات الأجواد، للتنوخي} ...