وسبحانه وتعالى يقول: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ} أي أينما توجدوا يدرككم الموت. وكلمة"يدرككم"دليل على أن الإنسان عندما تدب فيه الروح ينطلق الموت مع الروح ، إلى أن يدركها في الزمن الذي قدره الله. وكلمة"يدرك"توضح لنا أن الموت يلاحق الروح حتى إذا أدركها سلبها وكما قال الأثر الصالح عن ملاحقة الموت للحياة:"حتى إذا أدركها جرت ، فلا أحد منكم إلا هو مُدْرَك"، ولذلك يقول أهل المعرفة والإشراق:"الموت سهم أرسل إليك وإنما عمرك هو بقدر سفره إليك".
وهكذا نعرف أن قوله الحق:"يدرككم"تدل على أن الموت يلاحق حياة الإنسان ويجري وراء روحه حتى يدركها.
ويقول الحق: {وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} . وعندما نبحث في الحروف الأصلية لمادة كلمة"البروج"نستطيع أن نرى المعنى العام لها. والحروف الأصلية في هذه الكلمة هي"الباء"و"الراء"و"الجيم"وكلها تدل على الارتفاع والظهور.
فيقال:"هذه امرأة فيها بَرَج"أي أن عيونها واسعة وتحتل قدراً كبيراً من وجهها وتكون واضحة ، فالبَرَجُ هو الاتساع والظهور.
والإبراج عادة كان بناؤها مرتفاً كحصون وقلاع نبنيها نحن الآن من الأسمنت والحديد. والقصد من"مشيدة"أي أنها بروج تم بناؤها بإحكام ، فالشي قد يكون عالياً ولكنه قد يكون هشاً. أما الشيء المشيد فهو من"الشِّيد"وهو"الجص"، ومن"الشَّيْد"وهو"الارتفاع"، والمقصود أن لبنات البرج تلتحم أبعاضها وأجزاؤها بالجص فهي مرتفعة متماسكة.
إنك إذا رأيت جمعاً وقوبل بجمع فمعنى ذلك أن القسمة تعطينا آحاداً. فساعة يدخل المدرس الفصل يقول لطلابه: أخرجوا كتبكم. فمعنى هذا القول أن يخرجٍ كل تلميذ كتابه. وعلى ذلك يكون القياس. فلو بني كل إنسان لنفسه برجاً مشيداً لجاءه الموت.