ثم في إطلاق الآية دلالة على أن الكتاب والسنة متقدمان على القياس مطلقاً سواء كان القياس جلياً أو خفياً ، وأنه لا يجوز معارضة النص ولا تخصيصه بالقياس . وقد اعتبر هذا الترتيب أيضاً في قصة معاذ واستحسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكيف لا والقرآن مقطوع في متنه والقياس مظنون والقرآن كلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والقياس نتيجة عقل الإنسان الذي هو عرضة الخطأ والنسيان . وقد أجمع العلماء على أن إبليس خصص عموم الخطاب في قوله: {إذ قلنا للملائكة اسجدوا} [البقرة: 34] بقياس هو قوله: {خلقتني من نار وخلقته من طين} {ص: 76] فاستحق اللعن إلى يوم الدين . والسر فيه أن تخصيص النص بالقياس يقدم القياس على النص وفيه ما فيه . ثم إن كان الأمر للوجوب فقوله: أطيعوا} يدل على وجوب الطاعة وإن كان للندب ، فههنا يدل على الوجوب ظاهراً لأنه ختم الأوامر بقوله: {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} وهو وعيد والظاهر أنه قيد في جميع الأوامر لا في قوله: {فردوه} وحده . وأيضاً مجرد الندبية وهو أولوية الفعل معلوم من تلك الأوامر فلا بد للآية من فائدة خاصة ، فيحمل على المنع من الترك ليحصل من المجموع معنى الوجوب . ثم هذا الوجوب يكون دائماً إن كان الأمر للدوام والتكرار وكذا إن لم يكن غيره كذلك لأن الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة غير مذكور . فلو حملناه على العموم كانت الآية مبينة وإلا كانت مجملة ، والمبين أولى من المجمل . وأيضاً تخصيص اسم الله بالذكر يدل على أن وجوب الطاعة إنما هو لكونه إلهاً والإلهية دائمة فالوجوب دائم . وإنما كرر لفظ {أطيعوا} للفصل بين اسم الله تعالى وبين المخلوقين ، ونعلم من إطلاق وجوب طاعة أولي الأمر أن الإجماع الحاصل عقيب الخلاف حجة وأنه لا يشترط انقراض العصر . ومن إطلاق قوله: {فإن تنازعتم في شيء فردوه} أن القياس يجوز إجراؤه في الحدود والكفارات أيضاً .