وإن أمير المؤمنين أغصّني ... مغصّهما بالمرهفات البوارد
قالت: لا. فقال:
ذريني تجئني منيتي مطمئنة ... ولم أتجشّم حول تلك الموارد
فإن جسيمات الأمور مشوبة ... بمستودعات في بطون الأساود
قال أبو القاسم الدمشقي:
إن الملوك بلاء حيثما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظلّ
إن جئت تنصحهم ظنّوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلّ
فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا ... إن الوقوف على أبوابهم ذلّ
وقيل: احذر السلطان فإنه يغضب غضب الصبي ويأخذ أخذ الأسد، وقيل: إياكم والسلطان فإنه فم الأسد وحمة الأسود. واتصل رجل بالمنذر بن ماء السماء ونادمه فنهاه صديق له عن ذلك وخوّفه منه فلم يلتفت إلى قوله ولم يسمع قوله فغضب المنذر عليه يوما فقلته. فقال فيه ذلك الصديق:
إنّي نهيت ابن عمار وقلت له ... لا تأمنن أحمر العينين والشّعر
إن الملوك متى تنزل بساحتهم ... تطر بثوبك نيران من الشّرر
التحذير من الدخول في أمر السلطان
قيل: العاقل من طلب السلامة من عمل السلطان فإنه أن عف جنى عليه العفاف عداوة الخاصة، وإن بسط يده جنى عليه البسط ألسنة العامة. إن قال محمد بن السماك لصديق استشاره وقد دعي إلى الدخول في عمل السلطان: يا أخي إن استطعت أن لا تكون لغير الله عبدا ما وجدت من العبودية بدا فافعل. وقال عيسى بن موسى لعبد الرحمن بن زياد: ما يمنعك من زيارتي؟ قال: إن أتيتك فأكرمتني فتنتني وإن جفوتني حزنتني، وليس عندك ما أرجوه ولا عندي ما أخافك عليه. وقيل: إذا لم تكن من قربى الأمير فكن من أعدائه.
حمد الانقباض عن السلطان
قال الأحنف: لا تنقبضوا عن السلطان ولا تتهالكوا عليه فإن من أشرف له أذراه ومن تضرع له تخطاه. وقيل: انقبض عن السلطان ما أمكنك فالسلطان ذو عذاب وبدوات، وهو في قلة وفائه لأصحابه وسخاء نفسه عمن فقد منهم مثل البغي والمكتب، كلما ذهب واحد جاء آخر. كان النعمان دعا بحلّة وعنده وفود العرب وقال: احضر وفي غد فإني ملبس هذه الحلة أكرمكم فحضر القوم إلا أوسا فقيل له: لم تأخرت؟ فقال: إن كنت المراد فإني أدعي وإن كان المراد غيري فأجمل الأشياء أن لا أكون أنا حاضرا فلما جلس النعمان ولم ير أوسا بعث إليه فقال: احضر وأنت آمن فأحضره وألبسه الحل.
النهي عن الإدلال على السلطان
قيل: الدالة تفسد الحرمة وتهدم المنزلة، وقال هشام: إنّ فلانا أدل فأمل وأوجف فأعجف ولم يدع ليرجع إليه مرجعا وقد مضى في الأخوانيات مثل ذلك.