إذن فالمسألة كلها تلطف من الخالق بخلقه ، واعتبار عمليات الغفلة عمليات طارئة على البشر ، وما دام الحق يقنن تقنينات فمن الجائز أنها تحدث ، لكن إذا حدثت معصية من واحد ثم استغفر عنها ، إياك أن تأتي بسيرتها عنده مرة أخرى وتذكره بها وافرض أن واحداً شهد زوراً ، افرض أن واحداً ارتكب ذنباً ، ثم استغفر الله منه وتاب. إياك أن تقول له: يا شاهد الزور ؛ لأنه استغفر من يملك المغفرة ، فلا تجعله مذنباً عندك ؛ لأن الذي يملكها انتهت عنده المسألة.
لماذا ؟ لكيلا يذلّ الناس بمعصية فعلت ، بل العكس ؛ إنّ أصحاب المعاصي الذين أسرفوا على أنفسهم يكونون في نظر بعض الناس هينين محقرين. ولذلك نقول: إن الواحد منهم كلما لذعته التوبة وندم على ما فعل كُتبت له حسنة ، فعلى رغم أنه ذاق المعصية لكنه مع ذلك تاب عنها ، وهذا هو السبب في أن الله يبدل سيئاتهم حسنات ، وعندما نعلم أن ربنا يبدل سيئاتهم حسنات فليس لنا أن نحتقر المسرفين على أنفسهم. بل علينا أن نفرح بأنهم تابوا ، ولا نجعل لهم أثرا رجعيا في الزلة والمعصية.
{وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً} و"الافتراء"هو الكذب المتعمد. لأن هناك من يقول لك قضية على حسب اعتقاده ، وتكون هذه القضية كاذبة ، كأن يقول لك: فلان زار فلاناً بالأمس.
هو قال ذلك حسب اعتقاده بأن قالوا له أو رأى أثر للزيارة ، على الرغم من أن مثل هذه الزيارة لم تحدث فيكون كذباً فقط ، أما الشرك فهو تعمد الكذب على الله وهذا يطلق عليه: {افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً} لأنه مخالف لوجدانية الفطرة ، كأن وجدانية الفطرة تقول: لا تقل إلا ما تعرفه فعلاً وأنت متأكد بل عليك ألا تخالف فطرتك متعمدا وتجعل لله شريكا.