ومن ذلك قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت ، كما ثبت عن النبي صَلّى اللهُ عليّه وسلّم: أنه قال له رجل: ما شاء الله وشئت ، قال: ( أجعلتني لله نداً ؟ قل: ما شاء الله وحده ) ، وهذا ، مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة ، كقوله: {لمنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} [التكوير: 28] - فكيف من يقول: أنا متوكل على الله وعليك ، وأنا في حسب الله وحسبك ؟ وما لي إلا الله وأنت ؟ وهذا من الله ومنك ، وهذا من بركات الله وبركاتك ؟ والله لي في السماء وأنت لي في الأرض ؟ أو يقول: والله ! وحياة فلان ، أو يقول: نذراً لله ولفلان ، وأنا تائب لله ولفلان ، وأرجو الله وفلاناً ونحو ذلك ، فوازن بين هذه الألفاظ وبين قول القائل: ما شاء الله وشئت ، ثم انظر أيهما أفحش ؟ يتبين لك أن قائلها أولى لجواب النبي صَلّى اللهُ عليّه وسلّم لقائل تلك الكلمة ، وأنه إذا كان قد جعله نداً لله بها فهذا قد جعل من لا يداني رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم في شيء من الأشياء ، بل لعله أن يكون من أعدائه ، نداً لرب العالمين ، فالسجود والعبادة ، والتوكل والإنابة ، والتقوى والخشية ، والتحسب والتوبة ، والنذر والحلف ، والتسبيح والتكبير ، والتهليل والتحميد ، والاستغفار وحلق الرأس ، خضوعاً وتعبداً ، والطواف بالبيت ، والدعاء - كل ذلك محض حق الله ، لا يصلح ولا ينبغي لسواه ، من ملك مقرب ولا نبي مرسل .
وفي مسند الإمام أحمد أن رجلاً أتي به إلى النبي صَلّى اللهُ عليّه وسلّم قد أذنب ذنباً ، فلما وقف بين يديه قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ ، وَلاَ أَتُوبُ إِلَى مُحَمَّدٍ . قَالَ [النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] : ( قَدْ عَرَفَ الْحَقَّ لأَهْلِهِ ) .
فصل