[المجادلة: 22] .
ولا يوجد تناقض أو شبه تناقض بين الآية التي نحن بصددها وبين آية سورة المجادلة. وهناك آيات تكلم فيها الحق وقرن عبادته بالإحسان إلى الوالدين ، وهناك آيتان جاء الأمر فيهما بالتوصية وبالوالدين استقلالا.
وذلك في قوله تعالى:
{وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً} [الأحقاف: 15] .
وفي قوله سبحانه:
{وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً} [العنكبوت: 8] .
ففيه"إحسان"وفيه"حسن"،"الإحسان": هو أن تفعل فوق ما كلفك الله مستشعراً أنه يراك. فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، و"الإحسان"من"أحسن"، فيكون معناها أنه ارتضى التكليف وزاد على كلفه. وعندما يزيد الإنسان على ما كلفه الله أن يصلي الخمس المطلوبة ثم يجعلها عشرة ، ويصوم شهر رمضان ، ثم يصوم يومي الاثنين والخميس أو كذا من الشهور ، ويزكي حسب ما قرر الشرع باثنين ونصف في المائة وقد يزيد الزكاة إلى عشرة في المائة ، ويحج ثم يزيد الحج مرتين. إذن فالمسألة أن تزيد على ما افترض الله ، فيكون قد أدخلك الله في مقام الإحسان ؛ لأنك حين جربت أداء الفرائض ذقت حلاوتها. وعلمت مما أفاضه الله عليك من معين التقوى ومن رصيد قوله:
{وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282] .
علمت أن الله يستحق منك أكثر مما كلفك به ؛ ولذلك فبعض الصالحين في أحد سبحاته قال:"اللهم إني أخشى ألا تثيبني على الطاعة لأنني أصبحت أشتهيها".. أي صارت شهوة نفس ، فهو خائف أن يفقد حلاوة التكليف والمشقة فيقول: يا رب إنني أصبحت أحبها ، ومفروض منا أننا نمنع شهوات أنفسنا لكنها أصبحت شهوة فماذا أفعل ؟
إذن فهذا الرجل قد دخل في مقام الإحسان واطمأنت نفسه ورضيت وأصبح هواه تبعا لما أمر به الله ورضيه.
ولذلك يجب أن نلحظ أن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن المتقين قال: