ومن إكرام الجار ما رواه مسلم عن أبي ذَرّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا أبا ذَرّ إذا طَبَخت مَرَقةً فأكثِر ماءَها وتعاهد جيرانك"فحض عليه السلام على مكارم الأخلاق؛ لِمَا يترتّب عليها من المحبّة وحسن العِشرة ودفع الحاجة والمَفْسدة؛ فإن الجار قد يتأذّى بقُتَارِ قدر جاره، وربما تكون له ذُرِّية فتَهيج من ضعفائهم الشّهوة، ويعظُم على القائم عليهم الألَمُ والكُلْفة، لا سيّما إن كان القائم ضعيفاً أو أرْمَلَة فتعظُم المشقّة ويشتدّ منهم الألم والحسرة.
وهذه كانت عقوبة يعقوب في فِراق يوسف عليهما السلام فيما قيل.
وكل هذا يندفع بتشريكهم في شيء من الطّبيخ يُدفع إليهم، ولهذا المعنى حضّ عليه السّلام الجار القريب بالهَدِيّة؛ لأنه ينظر إلى ما يدخل دار جاره وما يخرج منها، فإذا رأى ذلك أحبّ أن يشارِك فيه؛ وأيضاً فإنه أسرعُ إجابة لجاره عندما يَنُوبُه من حاجة في أوقات الغفلة والغِرّة؛ فلذلك بدأ به على مَن بُعد بابه وإن كانت داره أقرب.
والله أعلم.
قال العلماء: لمّا قال عليه السلام"فأكْثِرْ ماءَها"نبّه بذلك على تيسير الأمر على البخيل تنبيهاً لطيفاً، وجعلَ الزّيادة فيما ليس له ثمن وهو الماء؛ ولذلك لم يقل: إذا طَبخْت مَرَقةً فأكثر لحمها؛ إذ لا يسهلُ ذلك على كل أحد.
ولقد أحسن القائل:
قِدْرِي وقِدْرُ الجار واحدةٌ ... وإليه قَبْلِي تُرفع القِدر