وانتقلت الآيات إلى الحديث من جديد عن أهل الكتاب الذين يقفون حجر عثرة في طريق الإسلام، فبينت سوء استغلالهم للقسم الضئيل الباقي عندهم من الكتاب في خدمة مصالحهم المادية، وترضية أهوائهم الشخصية، وأوضحت سعيهم إلى تضليل المسلمين، وما هم عليه من عداوة ثابتة للمؤمنين {وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} .
وأشارت الآيات بالأخص إلى تحريف اليهود وتأويلهم لنصوص الوحي وأوامره عن مواضعها ومقاصدها، وحكت جملة من تعابيرهم المستنكرة التي اعتادوا أن يستعملوها في أحاديثهم عن رسول الله والمؤمنين، طعنا منهم في الدين، وعارضت تعابيرها المستنكرة بتعابير أخرى لو اهتدوا إليها وعبروا بها لكان خيرا لهم وأقوم، لكن {لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} .
ثم عاد كتاب الله إلى توجيه الخطاب لأهل الكتاب لإقامة الحجة عليهم، داعيا إياهم إلى الإيمان برسالة القرآن، محذرا لهم من عقاب الله لهم بطمس وجوههم وجعلها من قبل أقفيتهم، وردهم على أدبارهم، أو لعنتهم كما لعن الله أصحاب السبت من قبلهم {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} .
وقررت الآيات الكريمة إثر ذلك مبدأ إسلاميا جوهريا لا تسامح فيه ولا تنازل عنه، هو أن الشرك بالله ذنب عظيم لا يمكن أن يغفره لأحد من خلقه، وأن غيره من بقية الذنوب يمكن أن يكون محلا للمغفرة بإذنه ومشيئته {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} .