وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ: {مُدْخَلًا} بِضَمِّ الْمِيمِ , يَعْنِي: وَنُدْخِلْكُمْ إِدْخَالًا كَرِيمًا.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ: {وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} بِضَمِّ الْمِيمِ لِمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ مَا كَانَ مِنَ الْفِعْلِ بِنَاؤُهُ عَلَى أَرْبَعَةٍ فِي فَعَلَ فَالْمَصْدَرُ مِنْهُ مُفْعَلٌ , وَأَنَّ أَدْخَلَ وَدَحْرَجَ فَعَلَ مِنْهُ عَلَى أَرْبَعَةٍ , فَالْمُدْخَلُ مَصْدَرُهُ أَوْلَى مِنْ مُفْعَلِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ أَفْصَحُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فِي مَصَادِرَ مَا جَاءَ عَلَى أَفْعَلَ , كَمَا يُقَالَ: أَقَامَ بِمَكَانٍ فَطَابَ لَهُ الْمَقَامُ , إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْإِقَامَةُ , وَقَامَ فِي مَوْضِعِهِ فَهُوَ فِي مَقَامٍ وَاسِعٍ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} مِنْ قَامَ يَقُومُ , وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ الْإِقَامَةُ لَقُرِئَ: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مُقَامٍ أَمِينٍ كَمَا قُرِئَ: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} بِمَعْنَى الْإِدْخَالِ وَالْإِخْرَاجِ , وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحَدٍ , أَنَّهُ قَرَأَ: مَدْخَلَ صِدْقٍ , وَلَا مَخْرَجَ صِدْقٍ , بِفَتْحِ الْمِيمِ.
وَأَمَّا الْمُدْخَلُ الْكَرِيمُ: فَهُوَ الطَّيِّبُ الْحَسَنُ , الْمُكَرَّمُ بِنَفْيِ الْآفَاتِ وَالْعَاهَاتِ عَنْهُ , وَبِارْتِفَاعِ الْهُمُومِ وَالْأَحْزَانِ وَدُخُولِ الْكَدَرِ فِي عَيْشِ مَنْ دَخَلَهُ , فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ اللَّهُ كَرِيمًا.
عَنِ السُّدِّيِّ: {وَنُدْخِلُكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} قَالَ:"الْكَرِيمُ: هُوَ الْحَسَنُ فِي الْجَنَّةِ"
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32) }