أحدها: مقايسة بعضها من بعض كالشرك مثلاً وهو أكبر من القتل، والزنى أكبر
من النظر والغمرة، من هذا التقسم قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -:"اجتنبوا السبع الموبقات"
قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال:"الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين والسحر"
والفرار من الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات"."
وذكر في غير هذه الرواية:"الربا وأكل مال اليتيم ظلمًا"وغير ذلك.
قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: هي أقرب إلى السبعين من السبع.
والقسم الثاني: هو العمل بالمعصية مع الإصرار في النفس، وترك الندم عليها
والاغتباط بها، وانتظار مثلها وتمني ذلك، وهذا هو الإصرار، فهذا النوع من
الإصرار هو أكبر من العمل؛ لأنه عمل القلب وذلك من عمل الجوارح، وهي فعل
المعصية من غير إصرار عليها قبل أو بعد، هذا أحد وجهي اللمم، وهو مغفور إن شاء الله - جلَّ جلالُه - .
وقد يكون السلام مقاربة المعصية دون إكمالها، وهذا الطريق الأولى الذي هو
مقايسة بعض المعاصي ببعض، فالنظرة لا محالة أصغر من الزنى، وإن كان اسم
المعصية والزنى يشملهما لكن النظر مع الإصرار أكبر من مواقعة الذنب؛ لأن الذنب
يعقبه الندم والاستغفار.
ومن ذلك قول ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: صغيرة بصغيرة مع إصرار، ولا
كبيرة بكبيرة مع استغفار.
فمن أصبح تائبًا من كبائره متبرئًا من صغائره، متبرئًا من بدايات ذنوب لم
يصبها من بقايا عوائده وسوء ضراوته، مستغفرًا من جميع ذلك؛ مستعيذًا بالله من شر
نفسه، فهو التائب إن شاء الله تعالى.
ومن اجتنب الكبائر مع إقامة الفرائض غفرت له من صغائره إذا عزبت نفسه
عن الإصرار، ولكل مؤمن ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة؛ لأن المؤمن مفتن تواب،
والله بفضله وكرمه يحب التوابين ويحب المتطهرين، وهم الذين يصبحون ويمسون
تائبين من صغار ذنوبهم وكبائرها، والذين يقيمون الفرائض ويسارعون في الخيرات،
وإن كانت لهم ذنوب يأتونها من غير تعمدٍ لها ولا عمل عليها.
(فصل)
انتظم قوله هذا: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ) من حيث