الْأَمْرُ كَذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَمَنِّي كُلِّ مُكَلَّفٍ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ غَيْرَهُ عَلَيْهِ يَتَضَمَّنُ مِنَّا يَتَحَقَّقُ بِهِ الِانْتِهَاءُ وَهُوَ أَمْرَانِ: (أَحَدُهُمَا) الْعَمَلُ النَّافِعُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَكُونُ بِهِ الْفَائِدَةُ تَامَّةً مِنَ الْعِنَايَةِ وَالْإِتْقَانِ ، وَلَا يَشْغَلُ النَّفْسَ بِالْأَمَانِي وَالتَّشَهِّي كَالْبِطَالَةِ وَالْكَسْرِ ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ الْكَسْبَ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ التَّمَنِّي (ثَانِيهِمَا) : تَوْجِيهُ الْفِكْرِ فِي أَوْقَاتِ الِاسْتِرَاحَةِ مِنَ الْعَمَلِ إِلَى مَا يُغَذِّي الْعَقْلَ وَيُزَكِّي النَّفْسَ ، وَيَزِيدُ فِي الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ ، وَقَدْ ذَكَّرْنَاكَ بِهِ آنِفًا وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى قُوَّةِ الْإِرَادَةِ ، وَإِنَّمَا تَقْوَى الْإِرَادَةُ بِاسْتِعْمَالِهَا فِي تَنْفِيذِ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّرْعُ ، وَدَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ .
وَفِي قَوْلِهِ: مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ إِيجَازٌ بَدِيعٌ وَهُوَ يَشْمَلُ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَ الرِّجَالِ عَلَى بَعْضٍ ; وَمَا فَضَّلَ بَعْضَ النِّسَاءِ عَلَى بَعْضٍ وَمَا فَضَّلَ بِهِ جِنْسَ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ ، وَمَا فَضَّلَ بِهِ جِنْسَ النِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْخُصُوصِيَّةَ فَضْلٌ ، أَيْ: زِيَادَةٌ فِي صَاحِبِهَا عَلَى غَيْرِهِ ، وَمَا فَضَّلَ بِهِ بَعْضَ الرِّجَالِ عَلَى بَعْضِ النِّسَاءِ ، وَمَا فَضَّلَ بِهِ بَعْضَ النِّسَاءِ عَلَى بَعْضِ الرِّجَالِ ، وَهَذَا الْفَضْلُ أَنْوَاعٌ: (مِنْهَا) : مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْكَسْبُ وَلَا يُنَالُ بِالْعَمَلِ وَالسَّعْيِ ، وَلَا يُعَابُ الْمَفْضُولُ فِيهِ بِالتَّقْصِيرِ