فصل
قال القرطبي:
قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} استدل به مَن نفى لبن الفحل، وهو سعيد ابن المسيب وإبراهيم النخعِيّ وأبو سلمة بن عبد الرّحمن، وقالوا: لبن الفحل لا يحرّم شيئاً من قبل الرجل.
وقال الجمهور: قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} يدل على أن الفحل أب؛ لأن اللبن منسوب إليه فإنه درّ بسبب ولده.
وهذا ضعيف؛ فإن الولد خلق من ماء الرجل والمرأة جميعاً، واللبن من المرأة ولم يخرج من الرجل، وما كان من الرجل إلاَّ وطء هو سبب لنزول الماء منه، وإذا فصل الولد خلق الله اللبن من غير أن يكون مضافاً إلى الرجل بوجه ما؛ ولذلك لم يكن للرجل حق في اللبن، وإنما اللبن لها، فلا يمكن أخذ ذلك من القياس على الماء.
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"يقتضي التحريم من الرضاع، ولا يظهر وجه نسبة الرضاع إلى الرجل مثل ظهور نسبة الماء إليه والرضاع منها.
نعم، الأصل فيه حديث الزهرِيّ وهشام بن عروة عن عروة"عن عائشة رضي الله عنها: أن أفْلَحَ أخا القُعَيس جاء يستأذن عليها، وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب."
قالت: فأبيت أن آذن له: فلما جاء النبيّ صلى الله عليه وسلم أخبرته فقال:"لِيلج عليكِ فإنه عمك تربت يمينك""وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة رضي الله عنها؛ وهذا أيضاً خبر واحد."
ويحتمل أن يكون أفلح مع أبي بكر رضيعي لِبانٍ فلذلك قال"ليلج عليك فإنه عمك"وبالجملة فالقول فيه مشكِل والعلم عند الله، ولكن العمل عليه، والاحتياط في التحريم أولى، مع أن قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُم} [النساء: 24] يقوّي قول المخالِف. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 5 صـ 111 - 112} .