وَإِذَا كَانَ هَذَا صَرِيحًا فِي الْقُرْآنِ فَهَلْ يُعْقَلُ أَنْ يَصِحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْكَارُهُ ؟ لَا ، بَلْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَلِ الْكَبَائِرُ سَبْعٌ ؟ فَقَالَ: هِيَ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ ، وَرَوَى ابْنُ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ إِلَى السَّبْعِمِائَةِ أَقْرَبُ ، وَإِنَّمَا عُزِيَ الْقَوْلُ بِإِنْكَارِ تَقْسِيمِ الذُّنُوبِ إِلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ إِلَى الْأَشْعَرِيَّةِ ، وَكَأَنَّ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ مِنْهُمْ أَرَادُوا أَنْ يُخَالِفُوا بِهِ الْمُعْتَزِلَةَ وَلَوْ بِالتَّأْوِيلِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ فُورَكٍ ، فَإِنَّهُ صَحَّحَ كَلَامَ الْأَشْعَرِيَّةِ ، وَقَالَ:"مَعَاصِي اللهِ كُلُّهَا كَبَائِرُ ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لِبَعْضِهَا صَغِيرَةٌ وَكَبِيرَةٌ بِالْإِضَافَةِ ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: الذُّنُوبُ عَلَى ضَرْبَيْنِ صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ"اهـ ، وَأَوَّلَ الْآيَةَ تَأْوِيلًا بَعِيدًا ، وَهَلْ يُؤَوِّلُ سَائِرَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ لِأَجْلِ أَنْ يُخَالِفَ الْمُعْتَزِلَةَ وَلَوْ فِيمَا أَصَابُوا فِيهِ ؟ لَا يَبْعُدُ ذَلِكَ ، فَإِنَّ التَّعَصُّبَ لِلْمَذَاهِبِ هُوَ الَّذِي صَرَفَ كَثِيرًا مِنَ الْعُلَمَاءِ الْأَذْكِيَاءِ عَنْ إِفَادَةِ أَنْفُسِهِمْ وَأُمَّتِهِمْ بِفِطْنَتِهِمْ ، وَجَعَلَ كُتُبَهُمْ فِتْنَةً لِلْمُسْلِمِينَ اشْتَغَلُوا بِالْجَدَلِ فِيهَا عَنْ حَقِيقَةِ الدِّينِ ، وَسَتَرَى مَا يَنْقُلُهُ الرَّازِيُّ عَنِ الْغَزَالِيِّ وَيَرُدُّهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ ، وَأَيْنَ الرَّازِيُّ مِنَ الْغَزَالِيِّ ، وَأَيْنَ مُعَاوِيَةُ مِنْ عَلِيٍّ ؟