والاختيار الرفع لمعنيين: أحدهما: أن الرفع أدل على انقطاع الاستثناء، وأن الأول محرّم على الإطلاق، والثاني: أن من نصب أضمر التجارة، فقال: معناه: إلا أن تكون التجارة تجارة. والإضمار قبل الذكر ليس بقوي، وإن كان جائزًا، ومعنى قوله: {عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} هو أن يكون عليه، فذلك باطل لم يدخل فيما أباحه الله من البيع.
وقال عطاء في قوله: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} يعني: ليس فيها شيء من الربا
وذلك أن البيع إذا قُصد به الربا قلّ ما يقع التراضي به، وإذا لم يوجد التراضي لم يحلّ.
وذهب كثير من أهل التأويل إلى أن التراضي في التجارة أن يكون خيار المتبايعين باقيًا إلى أن يتفرقا عن المجلس.
وهذا قول شريح
وابن سيرين والشعبي، ومذهب الشافعي، ويدل على هذا ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ألا لا يتفرقَنّ بيعان إلا عن رضى".
وقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} ، أي: لا يقتل بعضكم بعضًا.
وهذا قول عطاء، والحسن، والكلبي، والزجاج، والأكثرين
وإنما قال: (أنفسكم) لأنهم أهل دين واحد، فهم كالنفس الواحدة، فجرى على قول العرب: قتلنا وربّ الكعبة. إذا قتل بعضهم؛ لأن قتل بعضهم كالقتل لهم.
وذهب قوم إلى أن هذا نهي للإنسان عن قتل نفسه، فقال أبو عبيدة: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} لا تهلكوها.
ويؤيد هذا حديث عمرو بن العاص، وهو أنه احتلم في بعض أسفاره، وخاف الهلاك على نفسه من الاغتسال، فتيمم وصلى بأصحابه، فلما رجع ذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله عز وجل: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} فتيممت وصليت، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يقل شيئًا.