وما كان منه في الجاهلية على نَصْر المَظْلوم وصلة الأرحام كحلْف المُطَيّبين وما جرى مَجْراه، فذلك الذي قال فيه صَلّى اللهُ عليّه وسلّم: ( وأَيّمَا حِلفٍ كان في الجاهلية لم يَزِدْه الإسلام إلا شدة ) .
يريد من المُعاقدة على الخير ونُصْرَة الحق، وبذلك يجتمع الحديثان، وهذا هو الحِلْف الذي يَقْتَضِيه الإسلام، والمَمْنُوع منه ما خالف حُكْم الإسلام. انتهى.
قال الحافظ ابن كثير: كان هذا، أي: التوارث بالحلف، في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك وأمروا أن يوفوا لمن عاقدوا ولا ينشئوا بعد هذه الآية معاقدة.
روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَالّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} فكان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل ويقول: وترثني وأرثك، كان الأحياء يتحالفون فقال رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم: ( كُلّ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيّةِ، أو عقد أدركه الإسلام، فَلا يَزِيدْهُ إِلاّ شِدّةً، ولا عقد وَلاَ حِلْفَ فِي الإِسْلاَمِ ) . فنسختها هذه الآية: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ} [الأنفال: 75] .
وروى أبو داود عن ابن عباس في هذه الآية: كَانَ الرّجُلُ يُحَالِفُ الرّجُلَ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ، فَيَرِثُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَنَسَخَ ذَلِكَ الأَنْفَالُ فَقَالَ: {وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} الآية.
وروى ابن جرير عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً} يقول: إلا أن توصوا لأوليائهم الذين عاقدوا، وصية، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، ذلك هو المعروف.