وقوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} معناه النساء إذا كن في عصمة الأزواج، وقوله تعالى: {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} أي هن محرمات إلا ما ملكت اليمين بالسبي في دار الحرب أثناء الجهاد فإنه يحل الزواج بهن بعد الاستبراء.
وقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} معناه أن ما عدا الأصناف المحدودة التي نص كتاب الله على تحريمها في هذا السياق، أو في غيره كتحريم المرأة المشركة، يكون حلالا للزواج، اللهم إلا إذا اعترض عارض، أو حدث مانع استوجب الحرمة في نظر الشرع، مثل المرأة الخامسة الزائدة على أربع، ومثل المطلقة ثلاثا، ومثل المرأة الحامل والمرأة المعتدة، قبل وضع الحمل وإتمام العدة، وكذلك اليتيمة الصغيرة في مذهب الإمام مالك والإمام الشافعي.
وقوله تعالى: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} معناه أن هذا التحريم القاطع في شأن الأصناف المحرمة من النساء التي نص عليها القرآن الكريم أمر صادر من الحق سبحانه وتعالى لا يسوغ تبديله ولا تغييره، بل يجب التزام العمل به دائما، فما حرم الزواج به فهو
حرام، وما أحل الزواج به فهو حلال بين المسلمين إلى يوم الدين.
وفي هذا الربع آيات كريمة أخرى من المناسب أن نقف عندها وقفة خاصة، إذ لها علاقة وثيقة بما حدده الله من الحلال والحرام في موضوع الزواج الذي هو أساس تكوين الأسرة وكل ما يتفرع عنها، وما هو حرام في هذا الموضوع الخطير، إرشادا للمؤمنين من عباده وهداية لهم إلى أحسن الطرق وأفضل النظم، حتى يقفوا عند حدودها ولا يتجاوزوها.
كما أنه مهد طريق التوبة وفتح باب العفو في وجه أولئك الذين عرفوا انحراف الجاهلية وفوضاها الاجتماعية والخلقية، فلم يؤاخذهم على ما سلف قبل نزول القرآن الكريم.
وفيها علاوة على ذلك تنبيه إلى أن عبيد الشهوات وأسراء اللذات سوف لا يرتاحون لهذا النظام الإلهي الأخلاقي وأحكامه الطاهرة، لأنه يقف في وجوههم، ويسد أمامهم طريق الفوضى والتلاعب بالأعراض، بل إنهم سيحاولون إغواء بقية المسلمين وإغراءهم على تعدي الحدود التي رسمها الحق سبحانه وتعالى، وسيدعونهم إلى نبذ أحكامه وتعاليمه ظهريا.