وقيل: لا تزوجُوا امرأةً وطِئها أباؤكم بالزنا إلا ما قد سلف من الأب في الجاهلية من الزنا بامرأة، فإنه يجوز للابن تزوجُها كما نُقِل هذا المعنى عن ابن زيد، وكما قال أبو حنيفة: يحرم على الرجل أن يتزوَّجَ بمزنِيَّةِ أبيه، لهذه الآية. وقال الشافعي: لا يحرم؛ لأنه لا اعتبار بوطء الزنا {إِنَّهُ} ؛ أي: إن نكاح زوجات الآباء وحلائِلهم {كَانَ فَاحِشَةً} ؛ أي: قبيحًا من أقبح الفواحش لأنَّ زوجةَ الأب بمنزلة الأم، فكانت مباشرتُها كمباشرة الأم، فهي من أقبح المعاصي، وأفحش الفواحش تمجه الأذواقُ السليمةُ، وتقشعرّ منه العقول الصحيحة، {و} كان {مقتًا} ؛ أي: ممقوتًا مبغوضًا عند الله، وعند ذوي المروءات من الجاهلية وغيرهم، وأنه لم يَزَلْ في حكم الله تعالى، وعلمه موصوفًا بذلك ما رَخَّص فيه لأُمةٍ من الأمم من لدن آدم، وكانت العربُ تقول لولد الرجل من امرأة أبيه. مقتيّ نُسبة إلى المقت، وهو أشدُّ الغضب، وكان منهم الأشعثُ بن قيس، وأبو معيط ابن أبي عمرو بن أمية، {وَسَاءَ} ذلك النكاح، وقَبُحَ {سَبِيلًا} ؛ أي: طريقًا، ومَسْلَكًا تَسْلُكه الجاهليةُ، روى البغوي بسنده عن البراء بن عازب، قال: مر بي خالي، ومعه لواء فقلت أين تذهَب؟ قال: بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى رجل تزوَّج امرأةَ أبيه آتيهِ برأسه.
قيل: مراتب القبح ثلاث: القبح العقلي، والقبح الشرعي، والقبح العادي، وقد وصف الله تعالى هذا النكاح بكل ذلك، فقوله: {فَاحِشَةً} مرتبة قبحه العقليِّ، وقوله: {وَمَقْتًا} مرتبة قبحه الشرعي، وقوله: {وَسَاءَ سَبِيلًا} مرتبة قبحه العادي، وما اجتمعَتْ فيه هذه المراتبُ. فقد بَلغ أَقْصى مراتب القبح. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 5/ 464 - 495} ...