فمن ذلك ما رواه أحمد، والحاكم، والبيهقي عن عائشة إنَّ مِنْ يُمْنِ المرأة تيسيرَ خِطْبَتِهَا، وتَيسِيرَ صداقها. وإن التغالِيَ في المُهور الآن، قد صار من أسباب قلة الزواج، وقلَّةِ الزواج: تُفْضِي إلى كثرة الزنا والفساد، والغَبْنُ أخيرًا على النساء أكثَرُ، وإنّك لَتَرى هذه العادةَ متمكنة لدى بعض الناس، حتى إن وليَّ المرأة؛ ليمتنع عن تزويج بنته للكفء الذي لا يرجى من هو خيرٌ منه، إذا كان لا يعطيه ما يراه لائقًا بكرامته، ويزوجها لمن هو دونه دينًا وخُلُقًا ومن لا يَرجُو لها سعادة عنده إذا هو أعطاه الكثيرَ الذي يراه محققًا لأغراضه، وهكذا تَتَحكم التقاليد والعادات حتى تفسدَ على الناس سعادتَهم، وتقوضَ نَظْمَ بيوتهن، وهم لها منقادون بلاَ تفكير في العواقب، فيا لَها مصيبةً في دِيننا، ودُنيانا، وإنَّا للهِ وإنا إليه راجعون.
22 - {وَلَا تَنْكِحُوا} ؛ أي: ولا تتزوجوا أيها المؤمنون {مَا نَكَحَ} ، وتزوج {آبَاؤُكُمْ} من نسب أو رضاع، حقيقةً أو بواسطة، فيشمل الأجدادَ، وإن علوا {مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} وسَبَقَ منكم في الجاهلية قبل نزول آية التحريم من نكاح زوجات الآباء فإنه معفوٌّ عنه لا مؤاخذةَ عليكم به.
والخلاصة: أنكم تستحقُّون العقابَ بنكاح ما نكح آباءكم إلا ما قد سلف، ومَضَى فإنه مفعو عنه، وهذا شروع منه في بيان من يحرم نكاحها من النساء، ومن لا يحرم، وإنما خَصَّ هذا النكاحَ بالنهي، ولم ينتظم في سلك نكاح المحرمات الآتية مبالغةً في الزجر عنه حيث كانوا مُصِرّينَ على تعاطيه، وكانَ فاشيًا في الجاهلية، وقد ذَمَّهُ الله أقبحَ ذم، فسماه فاحشةً، وجَعَلَه مبغوضًا أشدَّ البغض، قال ابن عباس رضي الله عنهما: وجمهور المفسرين كان أهلُ الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهُوا عن ذلك.