فقوله: {مَا نَكَحَ} يحتمل أن تكون (ما) بمعنى: مَن، فيكون المعنى: ولا تنكحوا مَن نكح. ويحتمل أن تكون (ما) بمعنى المصدر، فيكون المعنى: ولا تنكحوا نكاح آبائكم، أي: كنكاح آبائكم، يعني: أن آبائهم كانوا ينكحون أزواج آبائهم، فنهاهم الله أن يكون نكاحهم كنكاح آبائهم، فيكون في التقدير الأول النهي عن التزوج بمنكوحات الآباء، وفي التقدير الثاني النهي عن أن يكون نكاحهم كنكاح آبائهم في البطلان والفساد.
وقوله تعالى: {مِنَ النِّسَاءِ} عام في الحرائر والإماء، أما الحرة فتحرم بنفس العقد، دخل بها الأب أو لم يدخل؛ لإطلاق النهي عن نكاحها من غير تقييد، والأمَة يحرم نكاحها بوطء الأب.
وقوله تعالى: {إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} . سلف في اللغة معناه: تقدم ومضى، يقال: سَلَف يَسلُف سُلُوفا فهو سَالِف. وكل مال قدمته في ثمن سلعة اشتريتها بصفة معلومة فهو سَلَفٌ وسَلَم.
ويقال: سَلَفَ له عمل صالح، أي: تقدم، والسلف أيضًا من تقدم من آبائك وذوي قرابتك.
ومنه قول طفيل:
مضوا سلفًا قصدُ السَّبيلِ عليهمُ ... وصرفُ المنايا بالرجالِ تَقَلَّبُ
أراد أنهم تقدمونا، وقصد سبيلنا عليهم.
واختلفوا في هذا الاستثناء بعد إجماعهم على أن هذا ليس بمُخرِجٍ من التحريم؛ لأنه لو كان استثناءً مُخرِجًا من التحريم لوجب أن يُقرّ ما قد مضى منه في النكاح قبل نزول الآية إذ كانوا أحياء، وأكثرهم على أنه استثناء منقطع؛ على معنى: لكن ما قد سلف فإن الله قد تجاوز عنه.
وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وأبي عبيدة،
وقُطْرُب، وابن الأنباري، إلا أن بعض هؤلاء قالوا: لكن ما قد سلف فدعوه واجتنبوه.
وقد ذكرنا معنى الاستثناء المنقطع عند قوله: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [البقرة: 150] .