وفي هذه الجملة من الآية، يرشد الأولياء، إلى أن من كان منهم ذا مال ويسار، فليكف نفسه عن الأكل من أموال اليتيم التي تحت يده، وليبالغ في إعفاف نفسه وإِبعادها عنه. فلا يأكل منه شيئًا. ومن كان منهم فقيرا فليأخذ من مال اليتيم، بقدر حاجته من سد الجوعة وستر العورة ... لا يزيد عن ذلك.
ومن هذا يتبين جواز انتفاع الوصي والولي بقدر حاجته، من غير إسراف. أما إذا أسرف، فإنه يكون ظالما. وفاعله يدخل تحت مَنْ قال الله فيهم، في هذه السورة بعد ثلاث آيات: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} .
وقد روى الإمام أحمد والنسائي، وأبو داود، عن ابن عمر: أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ليس لي مال. وإني وليٌّ يتيم. أفآكل من ماله؟ فقال:"كُلْ مِنْ مَالِ يتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ، وَلَا مُتأثِّلٍ مَالًا: وَمِنْ غَيْرِ أنْ تَقِيَ مَالَكَ بِمَالِهِ".
وإِلى هذا الظاهر، ذهب عطاء وقتادة، وهو أحد الروايات عن ابن عباس.
وقال سعيد بن جبير، ومجاهد والزهري، وآخرون: ما يأخذه الفقير - بقدر حاجته - يكون قرضا. وعليه أن يرده إذا أيسر.
وعن عمر، أنه قال: أنْزَلْتُ نفسي من هذا المال بمنزلة وليِّ اليتيم: إن استغنيت استعففت، وإن احتجت استقرضت، فإذا أيسرت قضيت.
وقد ذهب جماعة إلى أنه ليس للولي أن ينتفع من مال اليتيم بشيء. وأن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} ، وقد أنكر أبو بكر بن العربي القول بالنسخ، لان الله تعالى يقول: {فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} .
وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} فكيف ينسخ الظلم المعروف؟.
والحق من هذه الآراء: أن للولي الفقير، أن يأخذ من مال اليتيم، ما يفي بحاجته، من غير إسراف ولا تبذير، وليس عليه ردُّ ما أخذه؛ لأنَّ ما أخذه نظير نظره ورعايته المال .. وأما الغني، فلا ينبغي أن يأْخذ من مال اليتيم شيئًا؛ لأن الله تعالى، أمره بالعفة، والكف عنه.