وفي هذه اللجاجة تتكشف سمة من سمات إسرائيل التي وردت الإشارات إليها كثيرة فِي هذه السورة.. لقد كان مطلبهم أن يكون لهم ملك يقاتلون تحت لوائه. ولقد قالوا: إنهم يريدون أن يقاتلوا {فِي سبيل الله} . فها هم أولاء ينغضون رؤوسهم ، ويلوون أعناقهم ، ويجادلون فِي اختيار الله لهم كما أخبرهم نبيهم ؛ ويستنكرون أن يكون طالوت - الذي بعثه الله لهم - ملكاً عليهم. لماذا؟ لأنهم أحق بالملك منه بالوراثة. فلم يكن من نسل الملوك فيهم! ولأنه لم يؤت سعة من المال تبرر التغاضي عن أحقية الوراثة!.. وكل هذا غبش فِي التصور ، كما أنه من سمات بني إسرائيل المعروفة..
ولقد كشف لهم نبيهم عن أحقيته الذاتية ، وعن حكمة الله فِي اختياره:
{قال إن الله اصطفاه عليكم ، وزاده بسطة فِي العلم والجسم. والله يؤتي ملكه من يشاء. والله واسع عليم} ..
إنه رجل قد اختاره الله.. فهذه واحدة.. وزاده بسطة فِي العلم والجسم.. وهذه أخرى.. والله {يؤتي ملكه من يشاء} .. فهو ملكه ، وهو صاحب التصرف فيه ، وهو يختار من عباده من يشاء.
. {والله واسع عليم} .. ليس لفضله خازن وليس لعطائه حد. وهو الذي يعلم الخير ، ويعلم كيف توضع الأمور فِي مواضعها..
وهي أمور من شأنها أن تصحح التصور المشوش ، وأن تجلو عنه الغبش.. ولكن طبيعة إسرائيل - ونبيها يعرفها - لا تصلح لها هذه الحقائق العالية وحدها. وهم مقبلون على معركة. ولا بد لهم من خارقة ظاهرة تهز قلوبهم ، وتردها إلى الثقة واليقين:
{وقال لهم نبيهم: إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ، فيه سكينة من ربكم ، وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة. إن فِي ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} ..