وهذا الوضوح وهذا الحسم هو نصف الطريق إلى النصر. فلا بد للمؤمن أن يتضح فِي حسه أنه على الحق وأن عدوه على الباطل ؛ ولا بد أن يتجرد فِي حسه الهدف.. فِي سبيل الله.. فلا يغشيه الغبش الذي لا يدري معه إلى أين يسير.
وقد أراد نبيهم أن يستوثق من صدق عزيمتهم ، وثبات نيتهم ، وتصميمهم على النهوض بالتبعة الثقيلة ، وجدّهم فيما يعرضون عليه من الأمر:
{قال: هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا!} ..
ألا ينتظر أن تنكلوا عن القتال إن فرض عليكم؟ فأنتم الآن فِي سعة من الأمر. فأما إذا استجبت لكم ، فتقرر القتال عليكم فتلك فريضة إذن مكتوبة ؛ ولا سبيل بعدها إلى النكول عنها.. إنها الكلمة اللائقة بنبي ، والتأكد اللائق بنبي. فما يجوز أن تكون كلمات الأنبياء وأوامرهم موضع تردد أو عبث أو تراخ.
وهنا ارتفعت درجة الحماسة والفورة ؛ وذكر الملأ أن هناك من الأسباب الحافزة للقتال فِي سبيل الله ما يجعل القتال هو الأمر المتعين الذي لا تردد فيه:
{قالوا: وما لنا ألا نقاتل فِي سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا؟} ..
ونجد أن الأمر واضح فِي حسهم ، مقرر فِي نفوسهم.. إن أعداءهم أعداء الله ولدين الله. وقد أخرجوهم من ديارهم وسبوا أبناءهم. فقتالهم واجب ؛ والطريق الواحدة التي أمامهم هي القتال ؛ ولا ضرورة إلى المراجعة فِي هذه العزيمة أو الجدال.
ولكن هذه الحماسة الفائرة فِي ساعة الرخاء لم تدم.
ويعجل السياق بكشف الصفحة التالية:
{فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم} ..