(السُّنَّةُ الْأُولَى) أَنَّ الْأُمَمَ إِذَا اعْتُدِيَ عَلَى اسْتِقْلَالِهَا وَأَوْقَعَ الْأَعْدَاءُ بِهَا فَهَضَمُوا حُقُوقَهَا تَتَنَبَّهُ مَشَاعِرُهَا لِدَفْعِ الضَّيْمِ وَتُفَكِّرُ فِي سَبِيلِهِ ، فَتَعْلَمُ أَنَّهَا الْوَحْدَةُ الَّتِي يُمَثِّلُهَا الزَّعِيمُ الْعَادِلُ وَالْقَائِدُ الْبَاسِلُ ، فَتَتَوَجَّهُ إِلَى طَلَبِهِ حَتَّى تَجِدَهُ كَمَا وَقَعَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ تَنْكِيلِ أَهْلِ فِلَسْطِينَ بِهِمْ .
(الثَّانِيَةُ) أَنَّ شُعُورَ الْأُمَّةِ بِوُجُوبِ حِفْظِ حُقُوقِهَا وَصِيَانَةِ اسْتِقْلَالِهَا إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَكَمَالِهِ فِي خَوَاصِّهَا ، فَمَتَى كَثُرَ هَؤُلَاءِ الْخَوَاصُّ فِي أُمَّةٍ فَإِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ الرَّئِيسَ الَّذِي يُمَلَّكُ عَلَيْهِمْ ، كَمَا عَلِمْتَ مِنْ إِسْنَادِ طَلَبِ الْمُلْكِ إِلَى الْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُمْ شُيُوخُهُمْ وَأَهْلُ الْفَضْلِ فِيهِمْ .
(الثَّالِثَةُ) مَتَى عَظُمَ الشُّعُورُ فِي نُفُوسِ خَوَاصِّ الْأُمَّةِ بِوُجُوبِ حِفْظِ اسْتِقْلَالِهَا وَدَفْعِ ضَيْمِ الْأَعْدَاءِ عَنْهَا فَإِنَّهُ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَسْرِيَ إِلَى عَامَّتِهَا ، فَيَظُنُّ النَّاقِصُ أَنَّ عِنْدَهُ مِنَ النَّعْرَةِ وَالْحَمِيَّةِ لِلْأُمَّةِ مَا عِنْدَ الْكَامِلِ ، حَتَّى إِذَا خَرَجَتْ مِنْ طَوْرِ الْفِكْرِ وَالشُّعُورِ إِلَى طَوْرِ الْعَمَلِ وَالظُّهُورِ انْكَشَفَ عَجْزُ الْأَدْعِيَاءِ الْمُدَّعِينَ ، وَلَمْ يَنْفَعْ إِلَّا صِدْقُ الصَّادِقِينَ ، كَمَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (2: 246) .