"قد لاكه ومضغه من هو أشد لوكاً ومضغاً منك"هذا إذا اعتبرته بقرض الأسنان ، فأما إذا اعتبرته بقرض المقراض ، فاستعارته كاستعارة الحوك والخياطة والإلباس ، وسمي ما بذل بعوضٍ قرضاً ، وما بذلك بغير عوض قرضاً ، وسمي عروض الدنيا قروضاً ، كما سميت عواري ، والضعف تركب قدر من متساويين ، أو يقال مثلاً الشيء فِي المقدار ، وكل واحد ضعف الآخر إذا أخذ ، وقول الشاعر:
"جزيتك ضعف الود"أي مثلي ودك فِي القدر ، وضعفا الشيء مثله ثلاث مرات ، إلا أنه إذا قيل: ضعفان ، فقد يطلق على الاثنين المثلين فِي القدر من حيث أن كل واحد يضعف الآخر كما يقال الزوجان ، ويكون كل واحد زوجاً للآخر..
إن قيل: الضعف والضعف يشتركان فِي الاشتقاق ، قيل: كلاهما اعتبر فيه معنى المماثلة فِي القدر ، إلا أنه جعل الضعف لما يزاد عليه ، والضعف لما ينقص منه ، واستعمل فيهما أضعفت ، وضعفت ، وإن كان التشديد فِي الضعف أكثر ، وضاعفت فِي الضعف لا غير ، وفرق بينهم تضاعف وتضعف ، فقال التضعيف لما جل مثلين ، والمضاعفة لما زيد عليه أكثر من ذلك ، ولهذا قال أكثرهم (فيضاعفه) بالألف ، ولما حث الله على المجاهدة فِي سبيله وذلك ببذل المال والبدن والنفس سمى ذلك قرضاً كما سماه بيعاً واشتراء فِي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} الآية وسماه إحساناً فِي قوله: (واحسنوا) كل ذلك استعطافاً لعبده واستلطافاً ، وسمع أعرابي قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} فقال"أعطانا فضلاً ، وسألنا منه قرضاً ليرد إلينا أكثر وأوفر منه ، إنه لكريم"وسمع ذلك أبو الدحداح ، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم إن تصدقت بحديقتي أفلي مثله فِي الجنة ؟ قال: نعم.
قال: ومعي أم الدحداح ودحداح ؟ قال: نعم ، وكان له حديقتان ، فتصدق بأفضلهما..
إن قيل: بذل النفس كيف يصح أن يقال له قرض ؟